بسم الله.. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد..
فعلى مدار قرابة العام، منذ أن خُلِع مبارك وحتى بدء إجراءات انتخاب البرلمان، لم يكن صوت يعلو على صوت تلك المعركة، بين التيار الإسلامي في جانب، وبين ما اصطلح الليبراليون والعلمانيون على وصفه (بمشروع الدولة المدنية)، انتهت في النهاية بفوز كاسح للتيار الإسلامي بأغلبية مقاعد البرلمان، ما اعتبره الإسلاميون نصرا مؤزرا، وعدّوه صفحة جديدة مشرقة في تاريخ الحركة الإسلامية، بعد طول معاناة.
بيد أن الواقع لم يكن مشرقا إلى هذا الحد، وليس على هذا القدر من البساطة، بل كان أشد تعقيدا من ذلك بكثير، فالقوى على الساحة ليست إسلاميين وليبراليين فقط، بل هناك من القوى التي قد يكون حراكها السياسي أكبر تأثيرا على الواقع من حراك هذين القوتين مجتمعتين، هذا أولا، وثانيا، فليس الفوز الذي حققه الإسلاميون حتى الآن يصل إلى الحد الذي يضمن استقرار الأوضاع لتسيير مشروعهم، فضلا عن إنجاحه، وثالثا، فلم تقض نتيجة الانتخابات على آمال القوى الليبرالية، بل غاية ما فعلته، أن نقلتهم من موضع إلى موضع آخر، من المنافس إلى المعارض، والذي سيستغل هذا الموضع الجديد باحترافية، قد تجعل الكفة تميل في صالحه ولو بعد حين.
إنك إذ تلقي نظرة أشمل على وقائع العام المنصرم، عام الثورة، ستلحظ على الفور وقائع معركة أخرى، تُعُمِّد تهميشها، بين قوتين أخريَين، هما شباب الثورة في جانب، والعسكر في الجانب المقابل، أدت إلى إضعاف بالغ لقوة العسكر، حتى صار وضع القوى الآن (إسلاميون – ليبراليون – عسكر – قوى ثورية) على هذا التوصيف:
1-الإسلاميون: قد نقول تجوزا إنهم في السلطة، بل هم يملكون بالفعل السلطة التشريعية.
2- القوى الليبرالية: هُزمت، ولكنها تمثل الأقلية المعارضة في البرلمان.
3-العسكر: في أصعب موقف وُضع فيه منذ تنحي مبارك، قد أخذ سقف طموحاته في الانخفاض يوما بعد يوم، حتى صار غاية همه (الخروج الآمن).
4-شباب الثورة، في غاية الحماسة والاستعداد للتضحية، يدفعهم شعورهم بعدم تحقق أهداف الثورة، ويدفعهم أيضا شعورهم بالثقة، فهم من أطلق شرارة الثورة، وهم من وجّه للعسكر تلك الضربات المتوالية، وأوشك على هزيمته، دون أن تقدّم لهم سائر القوى دعما يذكر.
في ظل هذا الوضع، ولأسباب عدة، فإن تخوفا لدى الكثيرين منا أخذ في التصاعد، من مواجهة مباشرة متوقعة بين القوى الثورية وبين التيار الإسلامي، وذلك لعدة عوامل، نستعرض بعضا منها على عجالة:
1)من أهمها، عدم استيعاب كل من الفريقين لطبيعة الآليات التي يمتلكها الفريق الآخر للتغيير بصورة كاملة، فأغلب نواب البرلمان وإن لم يعارضوا حراك الميدان، إلا أنهم في النهاية لا يتصورون الوسائل الميدانية للضغط على العسكر، التي قد تأتي بما لا يستطيعه البرلمان من مكاسب، وعلى الجانب الآخر، فإن كثيرا من الثوار وإن لم يعارض البرلمان كمبدأ، إلا أنه لا يتصور على وجه الكمال الآليات المتاحة للنواب، التي قد تؤتي ثمارا لا يستطيعها الميدان.
2)الاختلاف في تقدير كل من الفريقين للمكاسب التي تحققت بعد الثورة، وهذا أيضا من أخطر العوامل، ويترتب عليه جنوح الإسلاميين إلى التهدئة، وجنوح القوى الثورية إلى التصعيد، وهما نقيضان.
3)الاختلاف الفكري والمنهجي فيما يتعلّق بوسائل الإصلاح والتغيير عند الفريقين، فالإسلاميون يجدون صعوبة بالغة في مواكبة الحراك الثوري في هذه المرحلة الفارقة، وكذلك، فسوف يعاني كثير من الشباب الثوري من بعض الصعوبات قبل أن يستطيع التناغم مع المشروع الإصلاحي طويل المدى، بعد أن تستقر الأمور.
4)دور العسكر في المرحلة الحالية، الذي يستغل شدة حذر الإسلاميين على ما تحصّلوا عليه، ويخوفهم من ضياع هذه المكتسبات، مُلوِّحا بضغوط الخارج وربما الداخل، ما يمنع الإسلاميين من اتخاذ المواقف الثورية مهما تصاعدت وتيرة الأحداث، وهو ما يضعهم بدوره بغير قصد منهم في صف العسكر، وفي مواجهة القوى الثورية.
5)موقف الأقلية الليبرالية المعارضة في البرلمان، والتي ليس لديها ما تخسره، والتي تتبنى وتطرح مشاريع قرارات أقرب إلى إشباع الرغبة الثورية عند الشباب في الميدان، ما يشكّل إحراجا كبيرا للأغلبية الإسلامية، ويزيد من تقبيح صورتهم أمام القوى الثورية، وما يؤدي أيضا إلى حشد القوى والائتلافات الثورية خلف المعارضة، ما يمثل حلا أكثر من ممتاز لإشكالية الأقلية، بل ومطلبا رئيسا لهذه القوى، وقد نفهم ذلك في ضوء هذا التصريح للدكتور عمرو حمزاوي، في مقالته "كيف يتجاوز الليبراليون بمجلس الشعب مأزق المقاعد القليلة؟"، يقول
وأما الاستراتيجية الثانية فهي التواصل والتعاون المنظم مع المجتمع المدني وجماع













