أحيانا ناس بتوقفني في الشارع وتسألني: هي مصر رايحة على فين؟ احنا بينضحك علينا؟ الثورة اتسرقت، الثورة ماتت، الثورة ضاعت، احنا اتلعب بينا، التاريخ يعيد نفسه .. وكل مرة كنت أختلف مع قائل العبارة. لا أنكر إن بطبيعتي شخص متفائل وده من إيماني أن التغيير لا يشارك في صناعته متشائم يندب حظه، بس طبعا مع التأكيد على إن التفاؤل اللي باتكلم عليه مش تفاؤل انتظار النصر واحنا قاعدين على الكنبة، ولكن تفاؤل مرهون بعمل حقيقي.
فيه ظواهر سلبية كتير بتحصل دلوقتي في مصر، وفيه مطبات بنواجهها، وعمليات استقطاب واستعداء، وعدم وضوح نية المجلس العسكري في تسليم السلطة لرئيس مدني منتخب في 2012، والخوف من نتائج انتخابات مجلسي الشعب والشورى والأحداث اللي ممكن تحصل أثناءها، وأزمة ثقة بين التيارات والأحزاب السياسية، وغيرها من المشاكل اللي طبعا لن يتم علاج بعضها في شهور وأحيانا في سنوات. ولكن الظواهر دي كلها طبيعية، احنا بقالنا عشرات السنين ماشيين بفكر أمني فاشل بيحكم البلد بنظرية الرأي الواحد والحديد والنار لمن يخالفه، والفكر ده مش هيتغير بين يوم وليلة.
الثورة عملية تغيير شامل، والتغيير ده ممكن يحصل في بعض التجارب في وقت قصير جدا وأحيانا محتاج وقت أطول وده بيعتمد على الظروف التاريخية المحيطة بالثورة أثناء حدوثها وطبيعة سيرها. كل ثورة ليها خصوصيتها، وتقييم نجاح أو فشل أي ثورة عمره ما بيكون بعد شهور قليلة، ولكن الثورات بتتقيم بعد سنوات طويلة وده اللي محتاجين نؤمن بيه ونستمر. أنا مش متشائم مع إن الدنيا مش وردي والديموقراطية محصلتش في مصر والحكومة مأخدتش خطوات إصلاحية حقيقية .. كل ده فعلا محصلش واحتمال كمان ياخد وقت طويل عشان يحصل، ولكن تفاؤلي للأسباب التالية:
أولا: قطاع كبير من المصريين وخاصة جيل الشباب كسروا حاجز الخوف وبيتكلموا دلوقتي بدون خطوط حمراء عن أي قضية كان مجرد الإشارة ليها رعب من شهور قليلة بس. فيه ناس كتير هتجادل إن دول في النهاية حتى لو مليون فهما مليون وسط 85 مليون، ولكن رأيي إن دول بيشكّلوا ما يسمى بـ "الكتلة الحرجة" (الكتلة الحرجة في الفيزياء هي أقل كمية من اليورانيوم يمكن أن تحدث التفاعل النووي)، الكتلة دي ممكن مع صغر حجمها تتحول لضمير للأمة، والكتلة دي كل ما بتقرّب من دوائر الحكم كل ما بتؤثر فيها. في الماضي كانت الكتلة الحرجة في مصر يا إما خائفة تتكلم (ويا ريت كل واحد فينا يفتكر من سنتين أو تلاتة بيبقى موقفه ايه العلني من بعض القضايا الوطنية) أو فاقدة للأمل بشكل كامل (إن البلد دي مفيهاش فائدة ومفيش حاجة هتتغير)، أو بتحافظ على مصالحها بتقديم فروض الولاء والطاعة للنظام. ومستحيل أي نظام مهما كان ذكاؤه وقدراته إنه يرجّع الحاجز ده تاني في وقت قصير.
ثانيا: انتشار وسائل الإعلام البديل، في عصور سابقة جزء كبير من نجاح الثورات وفشلها كان بينبني على قدرتها في السيطرة على الإعلام، النهاردة الكتلة الحرجة اللي اتكلمنا عليها أغلبها متصل بالإنترنت وبيقدر يتواصل مع بعضه. مصر فيها أكتر من 15 مليون مصري على الإنترنت (حسب تقديرات وزارة الاتصالات). ووسائل الاعلام البديلة قادرة على نشر الأفكار ومحاربة الفساد ومقاومة أي محاولات لغسيل الأدمغة بالبروباجندا أو الأكاذيب. ولو راقبنا الوضع كويس هنلاقي إن فيه قضايا كتيرة حتى بعد الثورة سبب انتشارها وتحويلها لقضايا رأي عام كان ظهورها في البداية على الإنترنت. خلينا كمان نلاحظ الفن الهادف اللي أصبح منتشر جدا بين الشباب على الإنترنت بعد ما بقى من السهل على أي مجموعة إنها تسجل فيلم قصير أو تنشر فكرة أو تعمل أغنية تدعو لغرض نبيل.
ثالثا: وجود كتلة جديدة من المصريين تعمل في ص
المزيد