لا يستطيع أحد ــ إلا من كان جاحدا أو جاهلا أو حاقدا ــ أن ينكر إسهامات دعوة الإخوان المسلمين فى المجتمع، وفى مقدمتها الوقوف ضد الظلم والفساد المجتمعى والديكتاتوريات. وقد كلفهم ذلك ثمنا باهظا منذ بداية الأربعينيات بعدما ذاع صيت الإخوان بقيادة الامام البنا رحمه الله، كما لا ينكر عاقل إسهامات الآخرين من غير الإخوان فى مختلف نواحى الحياة، وأحيانا تكون تلك الإسهامات أوضح وأكثر فاعلية فى بعض القضايا. أما الإخوان وقد أصابهم ما أصابهم فقد صبروا ابتغاء وجه الله تعالى وتحملوا فى سبيل الله الكثير. كما لا يستطيع أحد أن ينكر قيمة المنهج التربوى والتنظيم الذى بدت نتائجه العظيمة فى الانتخابات البرلمانية لمجلس الشعب الحالى، والتعبئة التى استجاب لها الشعب استجابة جميلة، وإن لم تظهر قدرة الإخوان على تعبئة المجتمع وراء انتخابات مجلس الشورى، حيث بلغت نسبة التصويت فى المتوسط 10% مقارنة بنسبة المشاركة فى الانتخابات البرلمانية بنسبة أكثر من 60 %.
دخل الإخوان البرلمان لأول مرة فى شكل حزب سياسى لهم هو الحرية والعدالة، بعد أن كانوا يخوضون الانتخابات إما بالتحالف مع الأحزاب الأخرى أو كمستقلين، وشكلوا مع السلفيين «حزب النور» وبقية المستقلين أغلبية واضحة فى المجلس وهذا بفضل الله تعالى ثم الثورة التى أهملوها، ولكن أداء البرلمان كان ضعيفا فى الفترة الماضية رغم قصرها، وكان رئيس المجلس يبدو أحيانا كناظر مدرسة، رغم فرح الناس واستبشارهم بالبرلمان، وعقدهم الآمال العريضة عليه فى التغيير المنشود ضمن إطار المهام التى يكلف بها أى برلمان مع تفاوت الاختصاصات وهى أساسا مهمة المراقبة والتشريع، كما كانت تصريحات الكتاتنى فى الخليج فجة وتفتقر إلى الحكمة وظهر فى ثوب المداحين.
الإخوان يصيبون ويخطئون ككل البشر، فهم ليسوا ملائكة، ولا هم ظل الله فى الأرض، وصوابهم فى ظنى أكثر من خطئهم، ولكن الأخطاء التى وقع فيها قادة الإخوان المسلمون منذ الثورة الشعبية العظيمة فى مصر حتى اليوم أخطاء استراتيجية وتناقضات قاتلة. ولقد كان من الممكن أن تكون النصيحة فى السر كما طلب منى بعض الإخوان، لو أن هذه الأخطاء والتناقضات لم تخرج إلى العلن. أما وأن تلك الأخطاء والتناقضات صارت على كل لسان وعلى شاشات التلفاز وملأت الصحف فلابد من مناقشاتها عبر المقالات لمن يقرأ، وعبر الإعلام المسموع لمن يسمع، والإعلام المرئى لمن يبصر.
أما وصف تلك الأخطاء بالأخطاء الاستراتيجية، فلأنها تؤثر بل أثرت بالفعل فى مستقبل مصر، ووضعت المسار الثورى فى الانعاش انتظارا لمعجزة جديدة أو علاج ناجع آخر، يخرجها من حالة الانعاش إلى حالة الانتعاش. ومن أهم تلك الأخطاء التأخر باللحاق بالثورة والانفضاض عنها بأسرع ما يكون، فكانوا رسميا آخر الملتحقين بالثورة وأول التاركين للميدان، وللأسف تركوا الميدان قبل تحقيق كل أو معظم الأهداف والمطالب الثورية. ومن تلك الأخطاء الاستراتيجية القاتلة الاكتفاء بالمسار الديموقراطى وحده وإطلاق شعارات كلامية فى الوقت الضائع من قبيل، لن نفرط فى دماء الشهداء. وأما التناقضات فكانت أبرز ما تكون فى مأزق منصب الرئاسة رغم حساسيته. ومرت المسألة بعدة مراحل نلخصها فيما يلى:
قرارات واضحة اتخذها الإخوان قبل تنحى مبارك بيوم واحد ولا ندرى السر وراء ذلك حتى اليوم، أعلن الإخوان على أثرها أن الإخوان لن يرشحوا أحدا لمنصب الرئاسة معللين ذلك بخشية وهمية فى ظنى لم تقم على تحليل منطقى ولا قياس صحيح، مثل الخوف من الحصار على مصر مثلما حدث على قطاع غزة بعد تشكيل حكومة فلسطين، برئاسة إسماعيل هنية وبعد النجاح الهائل لحماس فى المجلس التشريعى. وطبعا لم يرفع الحصار عن غزة حتى اليوم ولم يتغير موقف أمريكا بشأن فلسطين، ولكن موقف الإخوان تغير وتعدل وتبدل حتى إن قيادة الإخوان ال














