مفهــوم الشــورى وأهميتها ومقاصدها
المعنى اللغوي: جاء في المعجم الوسيط "شار" الرجل شورا أي: حسن منظره, وَالشَّيْء: عرضه ليبدي مَا فِيهِ من محَاسِن, وَيُقَال شار الدَّابَّة أي أجراها عِنْد البيع ليظْهر قوتها وَفِي حَدِيث طَلْحَة (كَانَ يشور نَفسه أَمَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي يسْعَى ويخف ليظْهر بذلك قوته
وشار َالْعَسَل أي: استخرجه واجتناه من خلاياه ومواضعه.
(أَشَارَ) إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَو نَحْوهَا: أَوْمَأ إِلَيْهِ معبرا عَن معنى من الْمعَانِي كالدعوة إِلَى الدُّخُول أَو الْخُرُوج, وَعَلِيهِ بِكَذَا: نصحه أَن يَفْعَله مُبينًا مَا فِيهِ من صَوَاب
(شاوره) فِي الْأَمر مُشَاورَة وشواراً: طلب رَأْيه فِيهِ وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {وشاورهم فِي الْأَمر}
(اشتور) الْقَوْم: شاور بَعضهم بَعْضًا و(تشاوروا): اشتوروا
كما جاء في تهذيب اللغة شار الرجل أي حسن وجهه وراش واستغنى ويقال جاءت الإبل شياراً أي: جاءت سماناً حساناً
المعنى الاصطلاحي: هناك العديد من التعريفات, والتي تدور كلها حول اجتماع الناس على أمر ما لتداول الآراء, واستخلاص أصوبها للبت في شأن هذا الأمر بقرار..وابسطها وأوضحها ما ذكره الشيخ أحمد محي الدين العجوز في "مناهج الشريعة الإسلامية" من أن الشورى هي:
"تبادل الآراء في أمر من الأمور لمعرفة أصوبها وأصلحها لأجل اعتماده والعمل به".
وأحكمها و أوعاها بتصوري هو تعريف الدكتور توفيق الشاوي, في كتابه الجامع (فقه الشورى والاستشارة) بأنها:
"منهج شرعي لتبادل الرأي والفكر الحر, قبل إصدار القرار من الجماعة أو أهل الحل والعقد الممثلين لها أو المختص, وفقاً لأحكام الشريعة, في جميع الشئون الاجتماعية والفردية".
وفيه جمع الدكتور توفيق -رحمه الله- بين طبيعة المبدأ (منهج شرعي), وجوهر الممارسة (تبادل الرأي والفكر الحر), ودوائرها (الجماعة ككل – أهل الحل والعقد – أهل الاختصاص), وإطارها الحاكم (الالتزام بأحكام وتوجيهات الشريعة), وميادين تنزيلها (جميع الشئون الاجتماعية والفردية).
ولعلنا نلمس دقة وجمال التوافق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي, عندما يترادف المعني اللغوي مع استخلاص العسل وجمعه من خلاياه ومواضعه, والمعنى الاصطلاحي مع استخلاص الرأي الصواب وجمعه من أهله وثقاته, فإذا ما كنا نعرف في العسل أنه شفاء للناس, مصداقاً لقوله تعالى (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس), فإن ممارسة الشورى على النحو الرشيد, يعتبر من مقومات الصحة والعافية في الجماعة المسلمة, والرأي الناشئ عنها هو لاشك علاجٌ وشفاء لما تتناوله من مسألة, وما ينزل بساحتها من خطب و مُلمات.
ومثله أيضاً, مرادفه المعنى اللغوي لعرض الشيء وإبداء محاسنه وقوته, مع ما تعنيه الشورى من عرض الرأي مشفوعاً بمقومات صلاحه ورجاحته, إذ لا يُعتد حال تداول الآراء بالطرح الخالي من الحجية ومقومات الإقناع.
وقولهم في المعنى اللغوي, جاءت الإبل شياراً أي: غدت سماناً حساناً, يترادف مع مستهدف الشورى في جمع الخواطر والأفهام, لتغذية الرأي الواحد الهزيل بذاته, ليغدو سميناً حسناً محيطاً وراسخاً بأبعاد المسألة التي يتناولها, فلا يتجاوزه حينها الهداية والتوفيق والصواب.
أهميـة الشـورى ومقـاصدهـا
يقول الأستاذ الشهيد عبد القادر عوده –رحمه الله-, في كتاب (الإسلام وأوضاعنا السياسية) بأن "الشورى دعامة من دعائم الإيمان, وصفة من الصفات المميزة للمسلمين، سوَّى الله بينها وبين الصلاة والإنفاق في قوله:
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى:38]
فجعل للاستجابة لله نتائج وأمارات بين لنا أبرزها وأظهرها، وهي إقامة الصلاة والشورى والإنفاق، وإذا كانت الشورى من الإيمان فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، ولا يحسن إسلامهم إذا لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة، ومادامت الشورى
المزيد