مقدمة:
حركة العمل الجماعي …ترتبط دائماً بالفلسفة التي يقام عليها ذلك العمل الجماعي والاهداف التي يريد تحقيقها .. وقد نشأت في مصر أشكال من العمل الجماعي تنتمي إلي سائر الأفكار والأيدولوجيات .. وكانت جماعة "الإخوان المسلمين" هي إحدي هذه التشكيلات الجمعية التي أسسها الإمام "حسن البنا" – رحمه الله – في النصف الأول من القرن الماضي…وكانت قد اتخذت شكلاً رسمياً في بعض أزمانها كجمعية " فكرية و إجتماعية"..وإتخذت شكلاً سريا في زمن آخر حتي دارت الأيام وأصبحت الجماعة تعيش في زمن "المشروعية الواقعية"…وهي حالة قد تفتقد فيها الجماعة إلي الرسمية والتوثيق إلا أنها لا تفتقد حق الوجود الواقعي علي المستوي السياسي أو الجماهيري…
إلا أن معاناة الجماعة لم تقف عند حد عدم الإعتراف الرسمي..أو المواجهة الحكومية ذلك أنها تعاني من مشاكل وأزمات أهمها "الإشكالية الحركية " فقد اتخذت الجماعة شكل الجماعة الإصلاحية العلنية في بعض أزمانها..ثم اتخذت شكل التنظيم السري في أزمان أخري ..إلا أنها عادت في تلك الآونة وعقب تطورها الحركي العلني إلي الجمع بين الشكلين..وهو ما يؤدي عادة إلي مظهر التناقض…
جماعات الدعوة..و جماعات الإصلاح الوطني:
وإذا أمكن لنا أن نحصر أشكال العمل الجماعي في مصر فهي تدور بين شكلين أساسيين أولها "الجماعة التنظيمية المغلقة" وثانيهما هو "حركة الإصلاح المفتوحة" ولكل منهما أهدافه الخاصة والتي ينبني عليها بالقطع تنوع الأساليب النضالية وتباينها.
· وتمثل جماعة "الإخوان المسلمين" أحد هذين الشكلين وهو الشكل التنظيمي لواحدة من جماعات الدعوة…وهذا الشكل يجمع في إطاره بين جمع من الأفراد ينتمون إلي أيدولوجية واحدة ويستهدفون سيادتها … فيتخذون من الوسائل ما يمكنهم من الدعوة لهذه الفكرة وتربية أبناء التنظيم عليها …وحال كونها جماعة منظمة مغلقة فهي تخضع لقواعد تختلف عن أي جماعة مفتوحة…وتسير علي خطط تناسب مفهومها عن الواقع..فتبدأ بدعوة الفرد حتي يتمكن الفرد من تأسيس الأسرة وصولاً إلي المجتمع..
وهذا المجتمع المسلم الذي تكونه الجماعة هو مجتمعها الخاص والذي من الممكن أن يتسع ليضم أفراداً أو عائلات من خارج هذا التجمع.. إلا أن هذا الإنضمام يكون علي مراحل بقدر الإقتراب من الإلتزام العام بمباديء الجماعة…من أجل ذلك كان لكل فرد تلك الدرجات المتتابعة التي يرتفع عليها حتي يصل إلي مرتبة المجاهد داخل إطار الجماعة المغلقة ..
ومع ذلك فكل من هو خارج أسوار الجماعة يكون مسلماً له كل الحقوق…إلا أن حقوق الجماعة هي الأولي عند التعارض ذلك أن الجماعة هي الإطار الذي يضمن بقاء الفكرة وسيادتها ..من وجهةنظر إستراتيجية بحته..
وهذه المنهجية الدقيقة هي التي حكمت حركة الجماعة حتي نهاية القرن العشرين ..وهي أيضاً التي حافظت علي قيمة الجماعة العددية وقدرتها علي التماسك وسط أجواء التغير والتحول الفكري….إلا أن هذا التماسك قد بدأ يتعرض لأزمات اختلف الناس في تفسيرها وسنعرض لها في حينه…
· أما جماعات الإصلاح الوطني .. فهي جماعات مفتوحة..لا يربطها أي إتصال تنظيمي ولا تعتمد علي رباط تنظيمي وإنما هي تسير بطريقة التوافق السياسي..و تضع لها أهدافاً عامة تتنوع تحتها الأفكار أو ان تكون حزباً سياسياً فيكون رباط الحزب في تلك الحالة هو اللائحة التي تحكمه والتي تحدد له إطار الحركة المنظمة وفق اللائحة وليس وفق آليات العمل التنظيمي الخاص… ومن أجل ذلك فإن المصلحة محل الحماية لدي جماعات الإصلاح الوطني قد تتعارض مع الفكر الخاص لدي كل فريق وفي هذه الحالة تكون الغلبة للمصلحة المتفق عليها دون إرتباط بالفكر الخاص لكل فريق… من أجل ذلك فإن هذه الجماعات مطالبة أمام الجماهير بأن تقدم نموذجاً ديمقراطياً فريداً إذا ما كان موضوع نضالها هو المطالبة بالديمقراطية… وذلك عكس التنظيمات الخاصة التي ينحصر هدفها في تربية الأفراد داخلها علي فكرة محددة ولا تكون علي إستعداد للتخلي عن تلك الإيدولوجيات.
فروق إستراتيجية بين هذين النوعين من الجماعات :
و قد انبني علي تباين الأهداف لدي هذين النوعين من أنواع الجماعات وعلي تباين المصلحة الأولي بالدعاية لدي كل منهما اختلاف الوسائل لدي كل شكل منهما…ففي الوقت الذي اتسمت فيه جماعات الدعوه بإسلوب العمل التنظيمي ..والتشدد في الناحية الوقائية والإعتماد علي وسيلة السمع والطاعة كوسيلة وحيدة تعبر عن آليه تنفيذ القرار وصدوره .. وقناة واحدة بين مصدر القرار وبين منفذه …اختلف الأمر تماماً في جماعات الإصلاح الوطنية و تغيرت الأساليب و القواعد ..
· ففي جماعة الإخوان المسلمين مثلاً قد تم فرض وسائلها الخاصة بواسطة الأعضاء المنظمة لإدارة الجماعة " جماعة الإخوان المسلمين "… بإعتبارها الوسائل المحققه لغاية بقاء التنظيم.. فبقاء التنظيم عندها هو هدف في ذاته بإعتباره وسيلة نشر الفكرة …وبإعتباره أيضاً هو المتطابق مع الشعور بالخوف الداخلي لدي قيادات الجماعة بأنه ليس من الواجب أن ينصهر افراد الجماعة في المجتمع الخارجي بصفتهم الفردية وكما أنه ليس أيضاً من الصحيح أن يتم إختراق الجماعة من خارجها بأشخاص لم يؤمنوا الإيمان الكامل بفكرتها وهذا النوع من القيود أو من التمايز أدي إلي الخلط بينه وبين خطيئة استبعاد الآخر أو الإنفصال عنه.. وعدم القدرة علي إدارة الحوار والمشاركات المجتمعية .. وذلك بحكم التربية علي هذه القيود حتي تسربت تلك السلوكيات إلي أفراد وجماعة الإخوان المسلمين دون أن يشعر الطالب في مدرستها بتسربها إليه…إلا أنها استقرت في النفس الإخوانية بسبب الخوف المتزايد من الإختراق وجو المعارك الذي يحيط بالجماعة فضلاً عن فكرة الإضطهاد المجتمعي أو الحكومي… وكلها عناصر ذات تأثير مباشر علي النفس الإنسانية دون أن يصح وصفها بالصواب أو الخطأ لوقوعها في مجال الإجتهاد..
· أما جماعات الإصلاح الوطني فقد اختلف الأمر لديها أيضاً بسبب تباين الغايات بينها وبين جماعات الدعوة...ففي الوقت الذي تظهر فيه جماعات الدعوة التماسك التنظيمي..تختفي كل عناصر التنظيم بين جماعات الإصلاح الوطنية …بل وتزداد لديها خاصية الإعتداد بالرأي والقدرة الواسعة علي التعامل مع الآخر والإندماج معه إلي درجة التأثير والتأثر به. إلا أن هذه الجماعات الإصلاحية الوطنية المفتوحة قد تتسم بعدم القدرة علي التحكم في أفرادها ذلك أن السلطان الأدبي الذي يجمع بينها لا يكون في جميع الأحوال قادراً علي جمع الأفراد علي كلمة أو موقف موحد من الناحية النظرية.. ومع ذلك فإن التحكم في الأفراد ليس هدفاً من أهداف الجماعات الوطنية..و لكنها – أي جماعات الحركة المدنية- تتميز بقدرتها علي خلق وصناعة القيادات الواثقة…ذات الحركة الواسعة مع القدرة علي التعامل مع الجماهير .. وهذه الصناعة تكون وليدة الأحداث و الإنطلاقات ذات الحرية غير المحدودة لدي الفرد وقد يتسع المجال لهذه القيادات حتي تظهر بعض الجماعات الوطنية " المدنية " أحياناً كقادة بلا جنود.. ويكون جنودها من عموم الشعب اللذين يتجاوبون مع القيادات دون قالب محدد.
الناتج الطبيعي لمنهج كل من النوعين :
و لن يكون مستغرباً و الحال كذلك أن يتزامن مع فكرة التنظيم لدي جماعات الدعوة تنمية الشعور بالغربة لدي أبنائها .. وزيادة الإحساس بالإنتماء إلي الفكرة و التنظيم علي حساب بقية الإنتماءات…مع الشعور بالمواجهه بصفة دائمة مع المختلفين في الرأي .. و لما كان هذا الشعور هو الذي يتنامي في داخل الأفراد .. بل و فيه يتم صياغة فكرهم علي هذا النحو فمن الطبيعي جداً أن يكون للسمع و الطاعة أكبر تقديس في نفوس الأفراد لأنها تعبر عن حالة العسكره التي تحياها الجماعة ..فإذا ما تخلت الجماعة عن منهج السمع و الطاعة ,, فإنها تكون قد حكمت علي فكرة التنظيم بالزوال ذلك أن التنظيم هو الهدف الذي يهدف الحاكمون للتنظيم علي الإبقاء عليه…
أما ما يسبغه البعض علي الحاكمين في جماعة الإخوان المسلمين من صفات (ا













