لا يزال الشعب المصرى، منذ 12 فبراير 2011 يمر بمحنة بعد أخرى، ويواجه حيرة تتلوها حيرة أكبر منها، ويتوقع أمرا ثم تأتيه الأيام بغيره. ودون دخول فى تفاصيل هذا كله أقول إن آخر ما فوجئ المصريون به هو مُسَوَّدة الدكتور على السلمى نائب رئيس الوزراء التى أعلنها يوم الثلاثاء 1/11/2011 وجعل عنوانها: «مُسَوَّدة إعلان المبادئ الأساسية لدستور الدولة المصرية الحديثة». وفى معاجم اللغة أن المُسَوَّدة من الأيام هى الثقيلة المحزنة؛ وأن التسويد هو الجرأة (!!) والمعنيان جميعا متوافران فى مسودة الدكتور على السلمى التى أعادت الناس إلى ما ظنوا أنهم قد فرغوا منه (المبادئ الدستورية أو التى فوقها!) وجعلت أيام عيد الأضحى أيام مشغلة ثقيلة بالهم الوطنى بدلا من أن تكون أيام طاعات خالصة وفرحة عامة، والتى تضمنت جرأة غير مسبوقة على المبادئ الدستورية المستقرة، وعلى الإرادة الشعبية الحرة. والمسودات، فى الأعمال الفكرية والعلمية المكتوبة، تنتهى عادة بـ «مبيّضات» تحتوى على ما انتهى إليه الرأى، واستراح إليه الفكر، ورضى به العقل فى الشأن المكتوب، حتى تحولت مسودته أو مسوداته، إلى مُبيّضة، والمتعارف، بين أهل القلم، أن التسويد هو الكتابة القابلة للمحو، ولذلك كانت الممحاة مع القلم الرصاص هى عُدَّةُ القاضى، ومِنْحةُ البارى، سبحانه، لأهل الكتابة كافة. وتبييض مُسَوَّدة الدكتور على السلمى يكون بمحوها من التداول، وإعادة صفحاتها بيضاء بغير سوء، حتى يكتب فيها الشعب المصرى ما يختاره لنفسه، ويمحو ما يملى عليه.
والذين يعرفون الدكتور على السلمى يعلمون أنه رجلٌ جاد يعنى ما يقول، ويريد أن يحقق ما يسعى إليه، وأنه قوى الشكيمة ليس ممن يتنازلون عن رؤيتهم بسهولة.
ومع ذلك فإن الذين يحبونه، ويحترمون أداءه القديم وأنا منهم يدعونه بكل محبة، وبالحرص كله على الوطن، إلى إعلان سحب وثيقته «المُسَوَّدة» من المشهد السياسى المصرى بأسرع وقت ممكن، توقيا لما لا يحب أحد أن يقع فيه الوطن من أنواع الفتن التى قد تحول المُسَوَّدة من كلام تسود به الأوراق، وهو عادة قيد البحث والمناقشة، إلى خلافات حقيقية عميقة تسوِّد وجه الوطن ولا تكتفى بتسويد الأوراق وحدها. وقد دعانى ذلك كله إلى أن أقف مع مُسَوَّدة الدكتور على السلمى وقفات فى الشكل والموضوع.
تحاول هذه الوقفات أن تقنع الدكتور على السلمى بما أرجو أن يفعله، فى شأن مسودته. وتحاول فى الوقت نفسه أن تعلن للجميع مدى بعد هذه المُسَوَّدة عما يجب أن يتوجه إليه العمل، بعد الرأى، فيما تضمنته من شؤون وأثارته من شجون. ولست أزعم أن من واجب أحد أن يستجيب لما أقول، ولكننى أخشى خشية هائلة على الوطن من أن تعود إليه سياسة العناد التى كان بعضهم يفاخر بأنه حاصل فيها على الدكتوراه (!!) وأدت بنا إلى ما رأيناه ما بين يومى 25 يناير و11 فبراير 2011.
الوقفة الأولى: تتعلق بالتناقض بين الفقرة الأولى فى المُسَوَّدة والعنوان الأول فيها.
ففى الفقرة الأولى تؤكد المُسَوَّدة على أن «الشعب هو مصدر السلطات، ولا ينبغى بأى حال من الأحوال المصادرة على إرادته بوضع مبادئ دستورية لا تتغير، ودونما الحاجة إلى إعلان دستورى بشأنها أو غيره، حيث تكفى إرادة الشعب».
وبعد ثلاثة أسطر وكلمة واحدة تقرر المُسَوَّدة أنها تعلن «المبادئ الأساسية لدستور الدولة المصرية الحديثة، وذلك على النحو التالى: أولا: المبادئ الأساسية».
وهذا الإعلان يناقض ما ذكرته المُسَوَّدة فى مقدمتها. فإذا كان الشعب هو مصدر السلطات، ولا ينبغى أن تصادر إرادته، فإن إعلان أحد، غير الشعب، المبادئ الأساسية لدستور مصر هو غصب صريح لا مراء فيه لسلطة الشعب وإرادته.
غصب السلطة والإرادة
ويتأكد هذا الغصب عندما يطالع القارئ نصوص الإعلان الدستورى فيجد فيه المادة (60) التى تجعل من واجب الأعضاء غير المعينين فى مجلسى الشعب والشورى القادميْن سلطة انتخاب جمعية تأسيسية من مئة عضو تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد.. إلخ. وليس معقولا أن يقصد الإعلان الدستورى، ولا النص المقابل للمادة (60) الذى استفتى الشعب عليه فى مارس 2011، أن تضع الجمعية التأسيسية المنتخبة مشروع دستور بعد أن تكون الحكومة المؤقتة غير المنتخبة قد أملت عليها مبادئه الأساسية أو أيا من نصوصه، من عند نفسها.
وغصب السلطة هنا مزدوج أو مضاعف، لأن الأصل الدستورى أن الناخبين (أكثر من 50 مليون ناخب) سينتخبون أعضاء مجلسى الشعب والشورى، ثم ينتخب هؤلاء الجمعية التأسيسية، فنحن أمام انتخاب على درجتين لتشكيل جمعية تأسيسية لوضع الدستور. وهى أول مرة فى التاريخ المصرى ينتخب المصريون فيها من يضع لهم دستورهم قبل استفتاء الشعب عليه. وتأتى مُسَوَّدة الدكتور على السلمى لتلغى أثر هذين الإجراءين الديمقراطيين، وتغتصب سلطة الشعب فى اختيار نوابه، وسلطة هؤلاء النواب فى اختيار الجمعية التأسيسية، بتحويل إرادتها، وسلطتها إلى صفر كبير أو صغير فى شأن المبادئ الأساسية فى دستور مصر.
والمعروف عند الصغار والكبار، من رجال القانون والسياسة بل والجميع أن ما بُنى على باطل فهو باطل. والمُسَوَّدة كلها باطلة لصدروها ممن لا يملك إصدارها، واغتياله سلطة الشعب مع السخرية غير اللائقة منه بتسميته «مصدر السلطات»!
لغة النظام السابق
إن الحكومة فى الإعلان الدستورى، وفقا للمادة (57)، مهمتها تولى السلطة التنفيذية. وقد أوردت المادة المذكورة ثمانية اختصاصات لمجلس الوزراء (الحكومة) ليس فيها من قريب أو بعيد ما يخول الحكومة أو أيا من أعضائها صفة فى أى عمل تشريعى، فضلا عن أن يخوله صفة إعداد وإعلان مبادئ أساسية للدستور سواء أكانت ملزمة أم إرشادية.
ولا ينقضى عجبى من قول من يقولون إنها مبادئ إرشادية وكأن نواب هذا الشعب، والجمعية التأسيسية التى سينتخبونها، جماعة من القُصّر أو ناقصى الأهلية الذين لا يستغنون عن الوصاية أو القوامة يفرضهما عليهم مجلس الوزراء المؤقت غير المنتخب!
وبعض رجال القانون المحترمين الذين تحدثوا عن أن هذه المُسَوَّدة لا تجوز معارضتها لأنها غير ملزمة حتى الآن يتحدثون فى غير نطاق ما نحن فيه. نحن نتحدث فى وجوب سحب هذه المُسَوَّدة، وطى صفحتها، وانتهاء أى كلام من قِبل الحكومة، أو أى سلطة حالية فى الدولة، عن وضع الدستور وما ينبغى أن يكون من مبادئه وما لا ينبغى أن يكون. وهم يتكلمون عن مدى جواز الطعن على المُسَوَّدة أمام القضاء، ويرون أن معارضتها يجب أن تتأخر إلى أن تصبح لها صفة الإلزام. ولكل قارئ أن يسأل نفسه ما جدوى المعارضة لنصوص أصبحت ملزمة؟ وأيهما أكثر حفظا للسلم الأهلى فى البلاد أن نعارض نصوصا لها صفة الإلزام أم أن نعارض مُسَوَّدة لا تزيد قيمتها القانونية عن أن تكون أفكارا سودت بها أوراق؟!
وبعض الذين يهاجمون معارضة المُسَوَّدة ب














