يبدو أن المحكمة الإدارية العليا واللجنة العليا للانتخابات قد أنقذتا جماعة الإخوان المسلمين في مصر من نفسها، ومن سوء اختياراتها، حينما ألغت الأولى الجمعية التأسيسية ورفضت الثانية ترشح المهندس خيرت الشاطر. فرغم الشوائب القانونية التي أحاطت بالقرارين، والظلم الذي حاق بالشاطر جراء منعه من الترشح، فإن ثمرتهما السياسية تصب في صالح الإخوان والثورة إذا تم التعاطي معهما بروحٍ مبادرة، واستخلاص الدروس السياسية منهما. فقد فتح قرارا المحكمة الإدارية ولجنة الانتخابات الباب أمام الإخوان ليراجعوا مسيرتهم السياسية التي تعرَّجت كثيرا في الأسابيع الأخيرة.
| لعبت جماعة الإخوان دورا مجيدا في أيام العسرة من الثورة، وسخَّرت قدراتها التنظيمية والمالية والطبية، ودفعت بشبابها إلى أتون المعركة، مما أسهم في حسم الخيار لصالح شعب مصر ضد الفرعون في فترة قياسية |
وقد كتب المفكر الإستراتيجي الأميركي غراهام فولر مرة: "إن أسوأ ما فعله الاستبداد بالحركات الإسلامية حينما منعها من العمل السياسي القانوني هو حرمانها من تعلم المسار السياسي وصناعة القرار". وتدل ظاهرة الناسخ والمنسوخ في قرارات الإخوان المسلمين بمصر واختياراتهم الأخيرة على صدق فولر في هذا التقدير. فتعامل الجماعة مع موضوع الانتخابات الرئاسية شابه الكثير من الارتجال وردود الأفعال التي تدل على غياب العقل التخطيطي الممسك بزمام أمره، وتوحي بالعجز عن الخروج من منظومة العمل الجماعي القديمة إلى منظومة العمل المجتمعي الجديدة.
ومن المعروف أن جماعة الإخوان المسلمين لم تشعل الثورة المصرية، لكنها لعبت دورا مجيدا في أيام العسرة من الثورة، مثل يوم موقعة الجمل وما بعده. فقد سخَّرت الجماعة قدراتها التنظيمية والمالية والطبية لصالح الثورة، ودفعت بشبابها إلى أتون المعركة، مما أسهم في حسم الخيار لصالح شعب مصر ضد الفرعون في فترة قياسية. كما أن الجماعة كانت في القلب من الشتاء العربي –شتاء المعاناة والقمع- الذي خرج من أحشائه الربيع العربي.
وقد قال الشاعر جلال الدين الرومي: "إن الناس يقدرون الربيع ولا يقدرون الشتاء، لكن لا يوجد ربيع دون شتاء ممهِّد له". وقد منح الشعب ثقته للجماعة -ولحركات إسلامية أخرى- في الانتخابات البرلمانية، جزاءً لدورها المجيد في الشتاء العربي وفي الربيع العربي على حد السواء.
لكن ظاهرة الناسخ والمنسوخ في قرارات جماعة الإخوان واختياراتها ألقت بظلال من الريبة وعدم الثقة فيها وفي خبراتها. فقد وعدت الجماعة على لسان قادتها مرارا وتكرارا بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية، ثم نكثتْ بهذا الوعد بتسويغات غير مقنعة، وكأن مصر أصبحت مُجدبة من الشخصيات الوطنية المستقلة. وقستْ الجماعة على أحد وجوهها السياسية المقبولة في المجتمع العريض -وهو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح- بسبب ترشحه للرئاسة، ففصلته من التنظيم بطريقة فجَّة تنتمي لعصر ما قبل الثورة. ثم فاجأت الجماعة كل الناس بتقديم مرشح لها للرئاسيات بعد أيام من ترداد رئيس البرلمان المنتمي لها سعد الكتاتني: "إن الجماعة لن ترشح أحدا للرئاسة على مسؤوليتي الشخصية".
ورغم أن خيرت الشاطر له تاريخ طويل من المصابرة ضد الاستبداد، ومن تحمّل معاناة السجن في سبيل ذلك، فإنه لا يمتلك الكاريزما الشخصية والخبرة السياسية، ولا يقف في منطقة الوسط الضرورية لمن سيحكم مصر في المرحلة الانتقالية. كما أن ترشيحه جاء مَعيبا من ناحية الإخراج، حيث ورد الترشيح -أول ما ورد- على لسان المرشد العام للجماعة في مؤتمر صحفي. وما كان ينبغي لمرشد الإخوان أن يتولى هذا الأمر،

















