عصر الفكر الإسلامي
ليس صحيحًا أن نقول بأن العصر الإسلامي الأول عصرًا لجانب واحد من جوانب التفكير والعمل, فلا نقول بأن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم هو زمن للنص بلا فكر, ولا زمن للفكر بلا نص, بل هو العصر الذي تكامل فيه العقل مع النص, فهو زمن النص وزمن الفكر, لا عداء ولا خصومة, ولا مدرسة للرأي تختصم مع مدرسة الحديث, ولا فريقان يروج كل منهما لأتباعه أو لفريقه ويسخر من الآخرين, وما نراه في زماننا من صراع مصدره الجهل والهوى, بين المتخاصمين, فمتى كان الدين خصمًا للعقل, ومتى تصور المسلم الانفصام بين الأمرين إلا بدوافع المشكلات الكلامية المتأخرة, وهي نتاج لمشكلات لا حل لها, ولا نتوقع أنها قادرة على ذلك, فلم تجلب للماضين خيرًا فأنى لها أن تجلبه لنا! ولا تزيدنا إلا حيرة, ولا نستفيد منها إلا انزواء في زوايا الكلام المذموم, وغربة عن التأثير والمنفعة من الوحي ومن الحياة الجارية.
فأزهى عصور الفكر الإسلامي هي العصور الأولى للإسلام, الذي تجلت فيها الاجتهادات والمدارس والأعمال والفرق, عصور محاولة فهم النص ومحاولة تطبيقه, عصور تجاوب الأمة مع كتابها دون حواجز من التاريخ, ولا عوائق من الفلسفات الأخرى, ولا عوائق جمود من داخل المجتمع.
ثم تتنوع العصور وتعلو القدرات وتسقط ويوجد في كل زمن رجاله القادرون على الصياغة والتجديد, ويسمى كل عصر بأبرز جوانب النبوغ فيه, أو جوانب الانهيار.
ولا يمكننا أن نقول أن تاريخ ثقافتنا الإسلامية ومدارسها التي تعددت واختلفت منذ نهاية العصر الراشدي إلى الآن ليست مدارس فكرية, ولا أن نقول أن مدرسة محددة ليست فكرية, والأخرى فكرية, ليس لأن الموقف هذا فيه كثير من الاعتباط, وتكلف زعم العصمة لمن يرى فكرته علمًا فقط, ولكن لأن ما عدا النص فهو فكر, بدءًا من طريقة التعامل مع النص, وأسلوب استيعابه, وطريقة تقديمه, وجميع مدارس الفقه وأصول الفقه, وأسس النظر في النصوص إنما هي إعمال للعقل بأدواته, في التعامل مع النص.. ومن هذه الأساليب ما انضبط مع الزمن وقامت قواعده, وتيسرت تطبيقاته فأصبح أشبه بالعلم, ومنها ما هو قابل للأخذ والرد, ولم تسلم بعد تطبيقاته من نظر, وهو ما بقي في أذهان الناس فكرًا, وكلما اتسعت دائرة المفكر فيه من هذه العلوم والقواعد كلما عاد نشاط الفكر ونضج العلم, وتخلص من أوهام حسبها ذات يوم علومًا قطعية منتهية.
العقيدة والفكر
ما هي المسائل العقدية وما هي المسائل الفكرية والفرق بينهما؟ وما الذي يجعل مسألة الإمامة, والمسح على الخفين, والمتعة, وخلق القرآن, والعلاقة بين النقل والعقل, ومسألة القبور, من الحاكمية أو خارجها؟ وهل لمرور الزمن أثر في إدخال بعضها للاعتقاد وتأجيل البعض؟
وقبل التفصيل في هذا من المهم أن نعلم بدور النص كهاد ومسيطر على وضع الأحكام النهائية, وهذا النص يحكم به شخص على شيء أو فكرة خارجه, وحكمه مهما يكن متأثر بحال من يصدر الحكم وحال المحكوم فيه.. تحقيق المناط وتنقيح المناط.. فهناك عملية بشرية طويلة من بدء الأمر إلى منتهاه منفصلة عن النص ومتأثرة بالشخص الذي يؤمن أو لا يؤمن على حكم الله.
ثم الوهم الذي يقع في عقول الناس بأن المعلومة مجردة هي أول شيء وآخره, هذا وهم لا يقره الشرع ولا يشفع له الواقع, فقد يعلم المسألة غير المؤمن, وقد يحفظ النص من هو ضعيف الفطنة, قاصر الفهم, ضعيف الاستنباط, وهذه العلل تعتور من يقول أو يقول عنه الناس أن عنده علم.. ولهذا كانت هناك حاجة ملحة لمعرفة قدرات العالم فيما سوى استحضار النص.
إن بحث العقائد وتطورها وتطور مناقشاتها والخلاف حولها في عصر الإسلام الأول ما هو إلا دلالة على جسارة العقل المسلم, وشجاعته, ورغبته الجامحة في ارتياد المجهول, ومصاولة المخالفين, وما جاء مفكر طموح منصف مصيب إلا كان مقابله منحرف في الاعتقاد, أو مخالف في السلوك؛ فالعقائد قصة العقول النابهة, والمتوثبة المهتدية والضالة على السواء.
مسائل الاعتقاد بين الثبات والتغير
نعلم أن مصطلح كلمة عقيدة مصطلح لاحق متأخر, جمعت تحته مسائل المعرفة بالله وأسمائه وصفاته.. وقد تظهر في بعض الأزمنة مسائل تهم الناس وتمس معرفتهم بربهم وكتابهم ونبيهم, فتحتاج هذه المسائل إلى وضع الإجابات اللازمة, ويسابق علماء الأمة إلى شرح هذه الجوانب, وبيان الحق فيها, وبحسب علاقتها بالشرع وعلاقتها بالحياة الفكرية والسلوكية للأمة تأخذ مكانها, ومن هذه المسائل مسألة خلق القرآن, وقبل ذلك مسائل التشيع والخوارج, وقبلها الإمامة.
ثم فيما بعد رأينا الباقلاني يضيف مسائل الإمامة لبحث في العقيدة ويبين عذره في ذلك, وظهرت في عصر ابن تيمية مسائل نقد الشيعة, ومسائل العقل والنقل وغيرها, وقد واجه هذه المسائل بطريقة علمية فكرية, وأخذت هذه المسائل طريقها لكتب السلف تعرف وتنتقد وتؤيد.. وهل نخرجها من مسائل الاعتقاد لتأخر زمانها؟ ونعتبر ما عداها لتقدم زمانها.. أم أنها تكتسب الشرعية عندما تلاقي القبول وتكون صحيحة وتتأسس للأجيال السابقة.. ومن هذه القضايا قضية الفكر مثلاً, فهناك مسائل كالشمول والموقف من عقائد وممارسات كالديموقراطية سوف تكسب فيما بعد مكانًا عقديًا مهمًا, كما نالت مسائل بعض العلماء كابن باز وغيره مكانة, ومسألة الولاء والبراء













