هذه مقالة قديمة للكتور عصام العريان ونشرت فى شهر اكتوبر 2009، وأنشرها اليوم لما فيها من رؤية مستقبلية نحتاج لاستكمالها هذه الايام…
—————————————————
الآثار الجانبية للحملة البوليسية على الإخوان
لاشك أن هناك عقلاً أمنياً وسياسياً يخطط لتلك الحملات البوليسية الأمنية والإعلامية ضد الإخوان المسلمين والمستمرة منذ أكثر من 17 سنة. ولابد أن تلك العقول تحسب حساب الخسائر والمكاسب في تلك الحملات المتوالية والتي لم تنقطع بل تصاعدت مع مرور السنوات.
وفي الإجمال نجد أن النتائج المتوقعة لم تكن كما يريد المخططون، وأن التداعيات السلبية على النظام السياسي في مجمله وعلى المجتمع المصري وعلى البيئة السياسية من أحزاب وقوى سياسية وحراك اجتماعي وثقافي لم تكن في الحسبان تقريباً.
وفى النظر السريع نجد الحصيلة على الأرض هي:
- تنامت قوة الإخوان السياسية خلال الربع قرن الماضي، فبعد أن كانت الجماعة حليفاً ضمن حلفاء وقوة بين قوى إذا بها تصعد لتكون قوة منفردة تحصد 20 % من مقاعد البرلمان في انتخابات شبه حرة بها قدر من النزاهة وتكسب تأييد قرابة 35 – 40 % من أصوات الناخبين في الدوائر التي خاضت بها الانتخابات .
- في المقابل ضعفت القوى السياسية الأخرى وضمرت تماماً حتى أصبحت هياكل لا روح فيها خاصة الأحزاب الرسمية المعارضة.
- تصاعد الخطاب الإسلامي السلفي في مواجهة الخطاب "الإخواني المعتدل الوسطي وبدت ظواهر اجتماعية نتيجة ذلك الخطاب محل الاهتمام وبدأت معارك جديدة حول النقاب واللحية والشكل العالم للمسلم والمسلمة بديلاً عن المعارك الأخرى حول الإصلاح والحريات والعدل والشورى والديمقراطية ونزاهة الانتخابات وتداول السلطة.
- ساد التعامل الأمني البوليسي في كافة الملفات: سياسية واقتصادية وعلمية وتعليمية وإدارية .. الخ ، وغاب في المقابل التعامل السياسي الإداري وفق قواعد عامة مجردة واختفت بذلك دولة القانون وتحولت مصر إلى دولة بوليسية.
- تضخم التنظيم الإخواني وكسب أنصاراً جدداً غالبيتهم من الشباب والفتيات وازداد امتداده خاصة في المحافظات بالدلتا والصعيد وليس في القاهرة والجيزة والمدن الكبرى التي تقوى فيها قبضة الأمن وتشتد .
الآثار الجانية على الفكرة والتنظيم
وتلك الحصيلة توحي بأن المكاسب الأكبر كانت للإخوان، ولكن هل يعنى ذلك عدم وجو آثار جانبية أصابت الإخوان كفكرة أو جسد تنظيمي.
وإذا سلمنا بأن أي حملة أمنية بوليسية لابد لها من آثار جانبية وخسائر، فيكون السؤال: كيف يمكن تدارك تلك الخسائر وتحويل بعضها إن لم يكن كلها إلى مكاسب ؟
توقع المراقبون والمحللون عدّة آثار جانبية وفق مناهج البحث والتحليل الاجتماعي والسياسي، ووفق خبرات تراكمت من متابعة تطور الحركات الاجتماعية والسياسية كان أهمها :-
[1] النزوع إلى الغلو والتشدد والتطرف بدلاً من المرونة والوسطية والاعتدال.
[2] الاتجاه إلى العنف بديلاً عن الحلول السلمية والنزوع إلى العمل السري.
[3] الإحباط والشعور بعدم جدوى المشاركة السياسية بسبب انسداد طريق الإصلاح السلمي المتدرج .
[4] ترييف الجماعة بتضخم الجسد التنظيمي في الريف الذي يقل فيه الضغط الأمني ويقل دوره في الإسهامات السياسية والفكرية.
[5] فقدان العقل الاستراتيجي الذي يوظّف كافة طاقات الجماعة في حال السلم لتحقيق أهدافها المرحلية وأهدافها النهائية تحت الضغط الأمني المتواصل.
[6] حدوث انقسامات في الجسد التنظيمي الذي يتعرض للضربات الأمنية ويفتقد كل فترة ذوي الخبرة والحنكة التربوية والإدارية بتغييبهم وراء الأسوار.
[7] فقدان الثقة في القيادة التي لم تستطع الخروج من المأزق الأمني والسياسي.
هناك توقعات أخرى لا يتسع لها المجال ولا ترقى لأهمية تلك التوقعات السابقة، وإذا نظرنا نظرة إجمالية سنجد أنه مع طول فترة الضربات الأمنية وصعوبة تحقيق أهداف سريعة لها وإدراك العقل الأمني والسياسي أنه لا أمل في إلغاء أو شطب الإخوان من المجتمع المصري، وكذلك صعوبة – أو قل عدم الرغبة – في إقصائهم تماماً من الساحة السياسية لأهداف يريدها النظام فإن قدرة الإخوان المسلمين على احتواء تلك الضربات وامتصاص آثارها الجانبية الخطيرة مثل الاستفزاز والاتجاه إلى العنف أو الإحباط واليأس من الإصلاح والقعود عن العمل والنشاط ثم المضي قدماً في تحقيق أهداف الإصلاح والتغيير وبناء جسد الجماعة وتجديده باستمرار وتعويض الكفاءات الغائبة بغيرها والإصرار على الوجود العلني الصريح للإخوان ومساهمتهم بقدر الإمكان في النشاط العام البرلماني والنقابي وتواصلهم مع بقية القوى السياسية، هذا كله أدّى إلى تقليص حجم تلك التوقعات التي لو صحت لدمرت بنية الإخوان المسلمين وشوّهت فكرتهم الإصلاحية ولأصاب المجتمع المصري منها ضرر كبير.
الصبر الإيجابي والتضحية
كان للمنهج الذي اتبعه الإخوان لمواجهة تلك الحملات المتوالية أثر كبير في تقليل حجم الخسائر على ذلك المستوى.هذا المنهج يمكن تلخيصه في "الصبر الإيجابي والتضحية والثبات" .وقد استفاد الإخوان من تجاربهم السابقة في مواجهة حملات الحكومات المصرية سابقاً وأهمها حملتان :
الأولى: قامت بها حكومة الأقلية السعدية في أعقاب حادث اغتيال النقراشي باشا وأسفرت عن اغتيال مؤسس الإخوان الإمام الشهيد حسن البنا في 12/2/1949 بعد حل الجماعة ومصادرة أموالها وممتلكاتها ومقارها واعتقال غالبية قياداتها.
وكانت النتيجة بعد عودة الإخوان إلى الساحة أن شاركوا في انقلاب يوليو 1952 مشاركة كبيرة رغم تحفظ وعدم موافقة المرشد الجديد الذي لم يكن أحكم سيطرته على القرار ولا مؤسسات الإخوان، وكان هذا في تقدير المراقبين خروجاً على نهج الإخوان التدريجي السلمي الإصلاحي التربوي، ونزوعاً إلى رغبة عارمة في تغيير الأوضاع من أعلى وليس كما يقول الإخوان من أسفل أي من المجتمع.
أثمر ذلك التغيير الفوقي نتائج مأساوية على الإخوان لأنهم أصبحوا شركاء في سلطة رفضوها وباتوا منافسين على مغانم لم يسعْوا إليها وصاروا قوة كبيرة لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها فكان لابد للسلطان الجديد أن يزيحهم من الساحة تماماً وأن يحاول الإجهاز عليهم والقضاء على الجماعة.
الثانية: ما قام به عبد الناصر خلال حكمه بدءاً من 1954 وحتى وفاته عام 1970 من تغييب كامل للإخوان عن الساحة مما أدى في البداية إلى نزوع بعض الشباب إلى التفكير في عمل عنيف أيضاً للانتقام أو للتغيير حتى خرج الشهيد سيد قطب من السجن ليصحح مسيرة هؤلاء الشباب إلا أنه لم تكتمل له الفرصة فبعد شهور انكشف التنظيم وسيق الشهيد البرئ إلى حبل المشنقة ولكن بعد أن أدرك الإخوان أن طريق العنف مسدود وأن مواجهة الاستبداد باتت الفريضة الكبرى وأن العودة إلى نهج البنا وإعادة قرائته من جديد يصحح مسيرة الإخوان ويعيد الرونق إلى فكرتهم بعد ما أصابها من تشويه متعمد طوال الحقبة الناصرية.
لذلك كان الإخوان منذ بداية خروجهم في عهد السادات واكتمال الإفراج عنهم عام 1975 وإلى يومنا هذا يؤمنون بالحقائق التالية:
- عدم جدوى العنف في التغيير وأهمية الالتزام بالمنهج الوسطي المعتدل الذي يمزج بين الدعوة والتربية والمشاركة الاجتماعية والسياسية والفكرية.
- الصبر وعدم اليأس أو الإحباط وأن الوقت جزء هام من العلاج.
- العلنية في العمل والنشاط وعدم الاتجاه إلى السرية والاختباء .
- المشاركة مع بقية القوى الإسلامية والسياسية وعدم الانعزال عنها وفق القاعدة الذهبية: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
- أهمية التواصل مع أجيال الشباب وبناء تنظيم اجتماعي قوى يمتد في كل القرى والبلاد وتصحيح المفاهيم المتشددة برفق وتؤدة.
- ولعب الدور الأكبر في هذه المرحلة المغفور له الأستاذ عمر التلمساني وإخوانه الذين كسبوا ثقة الشباب وصححوا مفاهيمهم وربوهم على التجرد والصبر والإخلاص والثبات.
وكان من نتائج ذلك أن الإخوان كانوا – وما زالوا – بعيدين عن كل تنظيمات العنف وأنقذوا آلاف الشباب من الانخراط في تلك التنظيمات، وحاولوا – مع آخرين – تصحيح المفاهيم لدى المتحمسين والمتهورين.
وأيضاً أسهم الإخوان في الحياة السياسية المصرية ببطء وتدرج رغبة في الانخراط السلمي في عملية إصلاح شاملة لبنية النظام المصري السياسي وتعاونوا وتحالفوا ونسقوا مع كل الأحزاب والقوى السياسية من حزب الوفد إلى العمل والتجمع والناصريين والشيوعيين وبقية القوى السياسية والمفكرين.
وشارك الإخوان – مع آخرين – في التأسيس لخطاب إسلامي معتدل يمزج بين ثوابت الدين ومتغيرات الحياة، ويقدم الإسلام كمنهج حياة للأفراد والمجتمعات لا يعوق تقدم المجتمع بل يدفعه لمزيد من التطور والانفتاح على معطيات العلم والتكنولوجيا وثقافات العا
المزيد