Yahoo!


من وحي ثورات عربية جارية…. د/ عزمي بشارة

مايو 29th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , اجتماعى, ثورة التحرير, ثورة سوريا, ثورة ليبيا, سياسى, عزمي بشارة, فكرى

التعصّب لا يُعوَّل عليه.
التشهير لا يعول عليه.
الغرور من أنواع الغباء، ولا يعوّل عليه.
العصبية جماعية والرأي فردي، العصبية في شؤون الرأي لا يعول عليها.
أي رد على حجة يمس قائلها ولا يفند قوله هو تشهير لا يعول عليه.
أي حجة يستمدها قائلها من هويته هي عصبية لا يعول عليها.
أي رأي في الناس متغير بتغير هوياتهم، لا يعول عليه.
أي استخدام لعرف أو عقيدة في فرض ما يحتاج إلى تحليل وإثبات، هو مصادرة للعقل وإرهاب فكري ولا يعول عليه.
كل حكم عقلي لا يتغير بتغير المعطيات بموجب التحليل العقلي هو تعنت لا يعول عليه.
كل حكم عقلي يتغير رغم تساوي المنهج والمعطيات تعسف لا يعول عليه.
أي حكم قيمي ينحاز للظلم بسبب هوية صانعه ليس أخلاقا ولا يعول عليه.
إذلال البشر وكسر نفوسهم من أجل التمكن من حكمهم طغيان لا يعول عليه.
قتل طالب الحق كفر لا يعول عليه.

1. أخذا بعين الاعتبار للمشترك بين الدول العربية يمكن القول إن الحركة التغييرية التي تمثلها الثورات هي حركة ضد الأنظمة السلطوية بأشكالها المختلفة.

لقد صادرت هذه الأنظمة جميعها حقوق المواطن الفرد، واحتكرت مصادر القوة بمزاوجة السياسة والاقتصاد، وبين النفوذ السياسي والربح المالي، واستسهلت بناء الولاء السياسي للنظام على أساس علاقات وشائجية، وأيسرها علاقات الولاء بقرابة الدم أو العشائرية أو الجهوية (التي قد تتقاطع مع المذهبية والطائفية). وكان الناتج غالبا هو نظام سلطوي مملوكي رث معصرن بواجهات ويافطات حديثة كاذبة.

2. اختلفت الجمهوريات العربية عن الدول الملكية والنظم المحافظة باقتصاديات التنمية بواسطة القطاع العام، وبأيديولوجية الحزب الحاكم الوحدوية عموما، وبمقاومة الهيمنة الأميركية الإسرائيلية على المنطقة، وبالفكرة القومية العربية.

وقد تآكل الفرق تدريجيا مع نشوء رأسمالية الدولة واقتصاد الفساد المرتبط بها عبر الولاءات السياسية المذكورة أعلاه. كما أدى اندثار نظام المعسكرين إلى براغماتية لدى هذه الدول في العلاقة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك قضية قبول إستراتيجية التفاوض مع إسرائيل.

3. وضاقت الهوة بين نمطي الأنظمة، مع تعميم وتجذر سلوكيات الدولة القُطرية، وبتحوّل الحفاظ على استقرار النظام إلى طلب الحكم مدى الحياة، ومع نشوء نوايا علنية وخطط للتوريث كيّفت بموجبها سلوكيات وبنية النظام.

كما قرّبت بين طبائع الأنظمة مشاريع اللبرلة الاقتصادية، وتنفيذ شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المعروفة بمبادئ إجماع واشنطن.

ساهمت اللبرلة الاقتصادية في ظل الاستبداد السياسي في اختلال توزيع الدخل القومي وتكديسه في أيدي حفنة من المقربين لإنتاج رأسمالية جديدة هي رأسمالية "الحبايب والقرايب".

كما ساهمت في توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وبين المناطق المختلفة داخل كل قُطر عربي، وذلك من دون السماح بالتعبير السياسي, مما شكّل خلفيات اجتماعية لانتفاضات متتالية.

وأدت الهزات الاجتماعية -التي قادت إليها اللبرلة الاقتصادية المقترنة بالتسلطية السياسية- بدايةً إلى إصلاحات شكلية، ثم ما لبثت أن استغنت عن الشكلية ودفعت إلى تشديد الاستبداد لحفظ الاستقرار السياسي للنظام وتوازن الدولة.

 

 

 

 

وبدل أن تؤدي الخصخصة في ظل الاستبداد إلى الدمقرطة، فإنها أدت إلى تشديد السلطوية. لقد كانت اللبرلة المنفلتة بموجب مبادئ إجماع واشنطن (النيولبرالية) لبرلة ضد الديمقراطية واحتكارا ضد المنافسة وتركيزا للثروة ضد الإنصاف وعدالة التوزيع.

 

4. والفرق أن فئات البرجوازية الجديدة المستفيدة من الخصخصة والبرامج اللبرالية/ التسلطية أصبحت أكثر تصالحا مع الاستبداد السياسي، وشكلت عنصرا جديدا في قاعدة النظام السياسي.

لقد تمتعت هذه الفئة بالقرب الاجتماعي من النظام السياسي الأمني، الذي سمح لها بممارسة حياة استهلاكية بشكل أكثر تحررا بما فيه بعض الحريات لهذه الفئة التي بدت وكأنها إصلاح سياسي.

حين شاركها النظام المغانم، لم يهم هذه الفئة التي كانت تنتقد الاستبداد أن تتصالح مع النظام بالذات حين زاد استبدادا. وإذ سمح لهذه الفئة بممارسة نمط حياة أكثر انفتاحا، فإنها وسمت نمط حياتها، الاستهلاكي المنحل في ظل الاستبداد، علمانية.

ولا يعنيها أن النظام يسوّق للجمهور تدينا شكليا يتعارض حتى مع مقاصد الشرع، ويشجع الوعاظ الموالين للنظام، وينقض في الوقت ذاته على التطرف الديني الذي تولده النواحي المحرومة، وأحزمة الفقر حول المدن، حين يتحول إلى العنف السياسي.

5. إن انضمام الطبقة البرجوازية المدينية إلى المستفيدين مباشرة من العلاقة مع النظام الحاكم هو أحد أهم أسباب حالة الارتباك التي أصابتها مع نشوء الثورات ضد الاستبداد. ويرتبط بهذه الفئة وصالوناتها جزء من مثقفي المدينة.

6. لقد نشأت فئة من أبناء المسؤولين ورجال الأعمال الذين يرغبون بالظهور بمظهر الحضاريين على خلاف أهلهم العسكريين ورجال الأمن. ويغطي الاستهلاك الثقافي وأنماط الحياة الغربية التي يتبنونها على الجرائم التي ترتكب في أقبية التع

المزيد


الخاص والعام في الانتفاضة الشعبية السورية الراهنة* ….. عزمى بشارة

أبريل 30th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , ثورة سوريا, سياسى, عزمي بشارة, فكرى

ينشد الشعب العربي السوري الحرية والكرامة، ويتوق إلى المواطنة وحقوق المواطن، حاله في ذلك حال الشعوب العربية كافة. ورغم وجود فوارق بين دولها على مستوى بنية الأنظمة، فإنها ليست الفوارق الرئيسة، بل يكمن الفرق الرئيس في تبلور هوية وطنية تسمح بفصل المجتمع عن الدولة أو عدم تبلورها، وغياب أو وجود جماعات أهلية ما زالت تجمع بينهما وتخترقهما عموديا. إن ما يصعّب الفصل بين الدولة والمجتمع هو الرابط نفسه الذي يصعّب فصل الدولة عن النظام [**]، وهو الفصل الذي مكّن من خروج المجتمعَيْن المصري والتونسي ـ باعتبارهما مجتمعين موحّدين ـ للمطالبة بإسقاط النظام، وهو ما مكّن الجيش من الامتناع عن الوقوف إلى جانب النظام في حرب ضدّ الشعب.

  • حركة احتجاجية سلمية
  • الطائفية في سوريا.. أسباب بعيدة وقريبة
  • الحركة الاحتجاجية ومقولة "الفتنة"
  • المواقف الإقليمية والدولية وموقع سوريا الاستراتيجي
  • السياسة وموضوع التغيير
  • المعارضة السورية

دخلت سوريا مرحلة الانتفاضة الشعبية، وبات لها أيضا مسمى تاريخي، ثورة 15 آذار/ مارس، إسوة بتلك التي سبقتها في تونس ومصر بداية العام، ومن بعدها في اليمن وليبيا. وعلى الرغم من أنها أظهرت قدرة على الانتشار والتوسع كما حصل في يوم الجمعة 15 نيسان/ أبريل، ويوم الجمعة 22 نيسان/ أبريل، فإنها لا تزال في بدايتها، وما زالت تثير أسئلة كثيرة حول المسارات التي ستتّخذها. وترتبط الإجابة عن هذه الأسئلة بالخصوصية السورية، ومستوى وعي الحركة الاجتماعية، وطريقة فعل أو رد فعل النظام السوري تجاهها، فضلا عن المواقف الدولية والإقليمية، وأمور أخرى متعلقة.

فهل ستسير سوريا مثلا على طريقة مصر في إصلاحات تقوم تحت ضغط الثورة الشعبية التي اتّخذت شكل احتجاجات شعبية سلمية متواصلة؟ وهل يضاف إليها رهان على أنّ رأس السلطة في سوريا قادر على القيام بها؟ أم أنها ستراوح مكانها مدةً أطول بين توازنات مجتمعية مختلفة كحال اليمن؟ وهل ستقدّم سوريا نموذجا آخرَ يغلب فيه منطق القوّة على منطق المساومة؟ أم أنّ الانتقال إلى الديمقراطية في سوريا لا بدّ أن يتخطى النظام كما هو قائم؟ فأحداث يوميْ الجمعة 15 و22 نيسان/ أبريل أظهرت أنّ طريق المساومة هو مجرد احتمال يشجّعه المحيطان الإقليمي والدولي، وأنّ النظام الحاكم ظلّ مُصرا على الخيار الأمني في قمع أعمال احتجاج شعبية سلمية. ولا تزال التساؤلات مطروحة وتستدعي النظر إلى الخصوصية السورية المحلية والإقليمية.

ويدور الحوار عمّا يجري في سوريا حول سؤالين يطرحهما النظام وإعلامه بطريقته الخاصة؛ أولهما: حول أهمية العامل الطائفي على ساحة الفعل السورية، وإمكانية استغلاله في مواجهة مضامين الاحتجاجات الشعبية من أجل الحرية والكرامة، وذلك في وضع قائم في المشرق العربي قد تفَعّل فيه الثورةُ الديموقراطية التي تجتاح الوطن العربي تبايناتٍ مجتمعيةً كامنة، عشائرية أو طائفية، لعبت الأنظمة العربية بعد الاستعمار دورا في تكريسها وفي استخدامها أحيانا. وثانيهما: حول ما إذا كان لاستدعاء نظريات المؤامرة ما يبرّره في وضع تتمايز فيه سوريا ضمن معادلات القوى الإقليمية، من خلال دعمها خيار المقاومة في لبنان وفلسطين، ومناهضتها مشاريع إمبريالية وإسرائيلية، وبتحالفها مع إيران أيضا. أمّا التساؤل الثالث الذي تطرحه هذه الورقة، فيخصّ مستقبل التغيير في سوريا واحتمالاته، على ضوء طبيعة السياسات المنتظرة من أصحاب القرار، وضمن حالة التحولات الإدراكية لدى الجمهور الفاعل بعد غياب مزمن للتفاعلات السياسية البنّاءة في الحيز العام.

حركة احتجاجية سلمية

لم تشذّ سوريا عن قاعدة سلميةِ الحركات الاحتجاجية، وهي سمة الانتفاضات العربية بشكل عام، على الرغم من أنّ الوضع السوري تميّز بقسوة المواجهة القمعية التي جرى اتّباعها في بداية الأحداث، وساهمت في تأجيجها وانتشارها، وما زالت تستخدم الرصاص الحيّ في قمع المظاهرات وتفريق التجمّعات والحشود. لقد كان الطابع السلمي الشعبي ماثلاً للعيان تماما مع بداية انتفاضة درعا شعبية الطابع، ثم عاد هذا الطابع السلمي والناضج للمظاهرات، وتجلى ـ من دون التباس ـ حين خفّفت السلطات من دموية قمعها للمحتجّين يوم "جمعة الإصرار" في 15 نيسان/ أبريل.

كان استنتاج النظام السوري العلني من ثورتي مصر وتونس أن موقف النظام من المقاومة يميزه عن النظامين في تونس ومصر ويجعله أقرب إلى الجماهير والرأي العام. ويبدو أنه بعد اندلاع الانتفاضة في درعا تبين أن استنتاج النظام السوري الرئيس هو أن النظامين الآفلين لم يستخدما ما يكفي من القوة في بداية الأحداث لوأدها.

بدأت حركة الاحتجاج بسوريا في 15 آذار/ مارس مع كسر نشطاء معارضين حاجز الخوف في أول بادرة لمظاهرات سياسية مباشرة في العاصمة ومدن أخرى للمطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين، ولم يكن ما سبقها من مظاهر احتجاج ذا طابع سياسي مباشر رغم أهميته؛ فتظاهرة 17 شباط/ فبراير جاءت رد فعل تضامنيا محليا على حادث اعتداء شرطي على بائع عربة في منطقة الحريقة بدمشق، وردّد المتظاهرون لأول مرة شعارا احتجاجيا تمثّل في "الشعب السوري ما بينذل"، أو الاعتصام الشّبابي في 22 شباط/ فبراير أمام السفارة الليبية في دمشق تضامنا مع الشعب الليبي، حيث عبّرت شعاراته المنادية بالحرية عن واقع غياب الحريات والممارسات الديمقراطية في سوريا، وليس في ليبيا وحدها.

لكن الحركة الاحتجاجية تطوّرت وبسرعة فائقة بعد الانتفاضة الشعبية في مدينة درعا بالطريقة العصبية والقمعية التي جُوبهت بها التظاهرات من رجال الأمن. إذ انطلقت أحداث درعا على خلفية اعتقال قوات الأمن السورية 15 صبيا بمدينة درعا في 6 آذار/ مارس ، ولم تكن أعمارهم تتجاوز 14 عاما؛ لأنهم كتبوا شعاراتٍ على الجدران كتلك التي رفعتها الثورة المصرية بعد 25 كانون الثاني/ يناير الماضي، مثل: "الشعب يريد إسقاط النظام". وجاءت الاحتجاجات ردّ فعل لتعامل رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عاطف نجيب والمحافظ فيصل كلثوم المهين مع وفد العشائر والأعيان الذي حاول التوسّط لإطلاق سراح الصبية. أمام هذا الواقع اكتسبت قضية اعتقال الصبية وطرد أعيان المدينة قيمة رمزية وعينية، كونها شكّلت حالة من الظلم والإهانة. لقد اتبعت السلطات الأمنية والمحلية الإذلال مع مجتمع لا تزال البنى التقليدية القديمة تلعب فيه دوراً مهما.

لم يقتصر رد الفعل الأمني على ذلك، بل استخدمت قوّات الأمن الرّصاص الحيّ في تفريق المتظاهرين الذين تجمّعوا أمام مقر المحافظة في 18 آذار/ مارس؛ ما أدّى إلى استشهاد عدد من المواطنين، وولّد ذلك حالة من الاحتقان الشعبي، وشكل المدخل لإنتاج حركة احتجاجية شعبية، وحافظ على هذه الحركة ذلك المركب من نشطاء سياسيين ونشطاء حقوق الإنسان ممن لديهم ثقافة وتصورات سياسية وتاريخ نضالي وبنى تقليدية أهلية تحمي أبناءها في الملمّات.

سلكت الحركة الاحتجاجية في سوريا المسار نفسه الذي سلكته الثورة التونسية تقريبا، فقد بدأت رد فعل جهويا شعبيا على حالة الظلم السياسي والاجتماعي، ونتيجة لتعاطي السلطات السلبي في امتصاص الأزمة، وامتدّت إلى مناطقَ عديدة في ريف دمشق وحمص واللاذقية وحماة؛ من ثم تبلورت بوصفها انتفاضة شعبية رفعت شعارات الحرية والإصلاح، دون أن تستهدف النظام ككل. ولكن الانتفاضة الشعبية توقفت عند أبواب دمشق وحلب، ولم تخترقها بقوة حتى الآن. فرغم أنّ الموقف السلبي من نظام الحكم في سوريا منتشر في هذه المدن بقوّة لا تقلّ عن النواحي الأخرى، يبدو أنّ بعض الفئات، ومنها الطبقة الوسطى، ما زالت مترددة لأنها غير مطمئنة للمستقبل.

ويمكن للباحث أن يرصد تشابها بين الحالة التونسية والسورية في بداية الاحتجاج، وتشابها في التفاوت البنيوي التنموي بين المحافظات والولايات بالدولتين، وكذلك ضيق نفوس المواطنين بالفساد، وبوليسية الدولة، وانسداد الأفق أمام الجيل الشاب في الحالتين ، ويتجلى التشابه ـ بشكل واضح ـ في الأشكال التي تمّ اتخاذها في بداية الاحتجاج. لكن التشابه سيتوقّف عند فروق كبيرة بين طبيعة النظامين والمجتمعين، وسنرى أن لهذه الفروق تأثيرا يفوق تأثير التشابه في تحديد مجريات الأحداث.

تطور المشهد السياسي مع المظاهرات الحاشدة التي عرفتها "جمعة الإصرار" في 15 نيسان/ أبريل على مستويين؛ أولهما: الاتساع الواضح للاحتجاجات، وشمولها النسبي في درعا واللاذقية وبانياس وحماه وغيرها، ووصولها إلى مدن لم تصلها سابقا في المناطق الكردية والجزيرة، كرّس الطابع الجماهيري للمظاهرات. وثانيهما: كان لنأْي السلطات عن استخدام العنف المباشر لمواجهتها في أكثر من مكان تأثير أحدث تغييرا في المشهد السياسي السوري، مبيّنا وجود احتمال لطريق آخر يمكن أن تسلكه السلطات "ثوبٌ مختلف ارتدته سوريا "، حسب جريدة الأخبار، وهو "ثوب تظاهرات ارتدته استجابة لدعوات «جمعة الإصرار» التي خلت من أعمال العنف، باستثناء مدينتيْ حمص وشمال دمشق، حيث غابت صور القتلى والجرحى وسيّارات الإسعاف، وغلب على التظاهرات ذاك البعد الحضاري".[1] وقد تبيّن لاحقا أنّ هذا التقييم كان متسرّعا، ويغلب عليه خطاب الأماني عند من يريد مصلحة سوريا، إذ يُسقط على النظام في سوريا ما يرغب في أن يكون عليه.

لكن مظاهرات يوم 15 نيسان/ أبريل السّلمية الواسعة قدّمت دلائل على عدم صحّة الروايات التي أطلقتها الدوائر الرسمية سابقا حول إطلاق نار متعمّد من المتظاهرين (في مقابل حديث المحتجّين عن تورّط ميليشيات سلطوية في أعمال القتل)، وذلك بعد سقوط عدد كبير من القتلى، حسب بعض التقديرات غير الرسمية أكثر من 200 قتيل نتيجة المواجهة الأمنية الدموية للاحتجاجات حتى أوائل نيسان/ أبريل[2]، وقد ازداد عدد الضحايا بشكل ملحوظ في أحداث يوم الجمعة التي تلت.

في حالة سوريا، كما هي الحال في انتفاضات أخرى في مصر واليمن، كان المسجد المكان الرئيس (ولكنه ليس الوحيد) للتجمع وانطلاق المظاهرات. وعلى اعتبار أن سوريا دولة متعددة الطوائف والمذاهب، فقد تحوّلت هذه الحقيقة إلى موضوع للنقاش لدى النخب السياسية والثقافية في سوريا، وحول محركات التظاهر ودوافعه والجمهور الذي تستهدفه. وظهر للوهلة الأولى أنّ الحركة الاحتجاجية في سوريا هي حراك شارع معيّن وطائفة معينة ضدّ النظام. ومع تصاعد التطوّرات، وامتداد المظاهرات إلى مناطقَ جديدة، ووصولها إلى مناطق تقطنها تركيبات طائفية متعدّدة، ازدادت المخاوف من وقوع عنف طائفي. وقد لمّح النظام إلى ذلك عبر استخدام تعابير مثل "الفتنة الطائفية". وقوبل استخدام النظام هذه التعابير وتحذيراته من الفوضى، بادّعاء أنّ النظام معنيّ بالتخويف من فتنة طائفية إلى درجة الاستفزاز في بعض الحالات لكي يثبت أنّ الدولة السلطوية وحدها تحافظ على وحدة المجتمع والدولة في سوريا، وأنّ الديمقراطية سوف تؤدّي إلى الفتنة. فما محاذير الوضع الطائفي وتأثيره في سياق الحركة الجماهيرية الصاعدة؟

الطائفية في سوريا.. أسباب بعيدة وقريبة

ليس هذا السّياق مناسبا لمراجعة ظاهرة الطائفية في بلاد الشام، لكن المجتمع السوري ورث ظاهرة الطائفية من التاريخ غير البعيد ومن أزمنة احتكار الشرعية الدينية، واتهام الأقليات المذهبية في دينها، واضطرارها إلى إخفاء شعائرها الدّينية، أي إخفاء هويّتها المذهبية؛ وما أورثه ذلك من روح المظلومية لدى بعض الطوائف، يضاف إلى ذلك الفعل الاستعماري داخل الدولة العثمانية بحجّة حماية الأقليات.

ومع تخطّي هذا الموروث، في إطار بناء الدولة الحديثة، كانت الثورة العربية الكبرى على الحكم العثماني في بلاد الشام المقدّمة لتبلور سوريا الطبيعية ككيان سياسي، حامله الأيديولوجي هو القومية العربية، التي شارك في حملها وبلورتها مثقّفون ومفكّرون من أبناء الطوائف والمذاهب كافة، واستمدت أفكارها من حراك الجمعيات العربية التي نشطت لإنتاج واقع مخالف وقطيعة تاريخية مع الدولة العثمانية، وبناء الدولة العربية المستقلة. وانتصر المجتمع السوري لنفسه مرة أخرى في مواجهة الانتداب الاستعماري الفرنسي، الذي سعى إلى إنتاج كانتونات جغرافية سياسية ببعد طائفي لتقسيم سوريا إلى دويلات، وجاءت الثورة السورية الكبرى رد فعل شعبيا منظّما ضدّ محاولة التقسيم هذه. وتبنّى المجتمع السوري بعدها مبادرات لإنتاج هوية جامعة في ظلّ سياسات التقسيم الفرنسية، التي حاولت عزل المنطقة الساحلية عن سوريا السياسية؛ بذريعة أنها مأهولة من أقلية علوية متمايزة دينياً. وتمت مواجهة هذا الواقع في المؤتمر الذي عقد بقرية القرداحة عام 1936 ضمّ علماء الدين السوريين من مختلف الطوائف، وأصدروا وثيقة اعترفت بالطائفة العلوية، باعتبارها أحد المذاهب الرئيسة للدين الإسلامي في سوريا وليست دينا متمايزا.

واحتفى الشعب السوري، وما زال يحتفل برموز وطنية سورية قومية عربية من كافة الطوائف برزت في تلك المرحلة بوصفها قيادة وطنية وقومية للشعب في سوريا حتى قبل ظهور القومية العربية حزباً وأيديولوجية. فسلطان باشا الأطرش وفارس الخوري وابراهيم هنانو والشيخ صالح العلي ويوسف العظمة هم رموز وطنية عند الشعب السوري بطوائفه كافة.

كان العداء للاستعمار عاملا موحّدا وجامعا لمختلف فئات الشّعب السوري، ومارس دورا في تكوين الهويّة الوطنية، لكنه لم ينتج تكاملا وطنيا جامعا نتيجة الاحتلال، والظروف المعيشة الصّعبة، وضعف الواقع التنموي، وانعزال المدينة في سوريا عن الريف. وبعد الاستقلال ظهرت من جديد قضية بناء الدولة على أسس مدنية، باعتبارها قضية تشكّل تكاملا وطنيا، انعكست آثاره على مجالات عديدة؛ منها التنموية، كتقليص الفروقات المجتمعية والتعليمية، والسياسية، كظهور تنظيمات وطنية جامعة سمحت بتمثيل جميع فئات الشعب وتمثيل المواطنين المنتمين لأقليات دينية ضمن لوائح الأحزاب القومية كحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب القومي السوري، والحزب الشيوعي، إضافة إلى كتلة المستقلّين والعشائر. ولم تظهر إرهاصات فتنة طائفيّة إلاّ في زمن العقيد الشيشكلي[3].

غير أنّ التفرّد في الحكم، وغياب الحرّيات والممارسة الديمقراطية في العقود الأخيرة، ساهم في تكريس الهويات الفرعية وإضعاف مفهوم المواطنة. فقد بدا النّظام كأنه الضّامن الأساسي للأقليات والوحدة الوطنية، وتأزّم الوضع بشكل رئيس بعد مواجهة النظام للتمرّد المسلّح الذي بادرت إليه حركة الإخوان المسلمين في سوريا بداية الثّمانينات، وكانت هذه المرحلة هي الأخطر في تاريخ سوريا الحديث فيما يتعلّق بالتعايش والاندماج الوطني.

وعلى الرغم من استحضار الخطاب الطائفي وتبلوره من قبل الإخوان الذين مرّوا بتحوّل قطبي (نسبة إلى سيد قطب) في تلك المرحلة لم تنشأ حالة اشتباك شعبي على أساس طائفي. ورغم محاولة العديد من التحليلات صبغ النظام القائم في سوريا على أنه نظام أقلية معيّنة، فإنّ بنية النظام المؤسساتية والدستورية في سوريا ليست كذلك، بل هي تعبّر عن واقع سلطوي يقمع أيّ حراك ضدّه من أيّ طرف كان. ولا شكّ أنّ الولاءات العشائرية و المناطقية في قرى منطقة الساحل تلعب دورا في تشكيل قاعدة ولاء للنظام، خاصة في الجيش والأجهزة الأمنية، لكن هذا لا يعني أنه نظام طائفي أو مذهبي؛ فالطوائف كافة تعاني من الاستبداد، كما تعاني المناطق النائية من التفاوت التنموي والتهميش بغضّ النظر عن تركيبها الإثني أو الطائفي. وظلّ النظام يعيش على تحالف مع البرجوازية الخدماتية والعقارية وطبقة التجار في المدن الكبرى، وما زال هذا التحالف "البونابرتي" بين الاستبداد الأمني والسياسي ورأس المال التجاري هو التحالف الذي يحكم سوريا بناءً على صفقات داخلية، وقد همّشت هذه الصفقات ـ التي يعاد تشكيلها بعد كلّ أزمة ـ الجزء المتحرّر سياسيا من الطبقة الوسطى ومثقّفيها، كما أنها تمثلت مؤخّرا في ازدياد نفوذ رجال الأعمال الجدد في المدن الكبرى، والذين يرفعون راية "النيوليبرالية" الاقتصادية والاستبداد السياسي على النموذج التونسي، ويدفعون باتجاه "سوريا أوّلا" وإحياء عملية السلام مع إسرائيل.

و أضيفت، في الفترة الأخيرة، عوامل جديدة خارجية عزّزت المخاوف الطائفية؛ كالتطور السياسي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، والتمحور المذهبي الذي نتج عنه، إضافة إلى ما تمخّضت عنه النقاشات على الساحة اللبنانية، خاصّة في فترة التوظيف الإقليمي للخطاب الطائفي من قبل ما سمّي بـ"محور الاعتدال" لاستهداف المقاومة في لبنان.

وتشير التقديرات الحالية لتوزّع الانتماءات الدينية في سوريا، رغم أنها غير رسمية، إلى نسبة للأغلبية السنّية تتراوح بين 60 و70% من عدد السّكان، منهم ما نسبته 10 إلى 15% من الأكراد، وتتوزّع النسب الأخرى كالتالي: 10 إلى 15% علويون وأقليات من الشيعة، 8 إلى 10% مسيحيون، إضافة إلى الدروز والإسماعيليّين الذين يشكّلون ما يقارب 5% من عدد السكان.[4] لكن هذا التقسيم ليست له أهمية قانونية؛ فالانتماء المذهبي أو الطائفي في سوريا لا يشكّل منزلة قانونية أو سياسية حاليا، وإن أيّ تحول ديمقراطي في هذا البلد يفترض أن يفصل المذهب والطائفة عن السّياسة، وبهذا المعنى لا بدّ أن يفصل الدين عن الدولة في دولة حديثة متعدّدة المذاهب والطوائف، ومن ثمّ فإنّ التعامل جدّيا مع هذا الإشكال يمثّل التحدي الرئيس الذي يواجه أية حركة ديمقراطية ثورية في سوريا.

الحركة الاحتجاجية ومقولة "الفتنة"

يأخذ البعض على الحركة الاحتجاجية في سوريا أنّ هويتها السياسية غير واضحة، وأنّ "المسجد" يشكّل بؤرة التجمّع ونقطة انطلاق المظاهرات عادة، وأنّ الشارع السوري السني هو من يقوم بها، وأن المشاركة فيها لا تشمل مختلف شرائح المجتمع.

وبغضّ النظر عن دقّة هذه المقولات ـ وبالنظر إلى خصوصية سوريا التي افتقرت إلى أيّ تراث احتجاجي سلمي علني على مدى العقود الثلاثة الماضية، نتيجة التغوّل الأمني وحظر النشاط السياسي ـ فمن الطبيعي النظر إلى المسجد بوصفه مكان تجمّع شرعي في ظلّ النّظم التي تمنع التجمعات. والحقيقة أن التظاهرات انطلقت أيضا من الميادين، رغم الثمن الباهظ الذي دُفع بالدم عند مجرد محاولة التجمع فيها. وفيما يتعلّق بمشاركة المواطنين السّوريين المنتمين لأقليات دينية، فإنّ ندرة المشاركة في البداية طبيعية لأن البداية لا تشمل دائما مؤشرات عن المستقبل؛ فهل تخبئ الثورة ضمانات لبقائهم عنصرا فاعلا في مجتمعهم؟ لكن هذا لا يعني أن هؤلاء المواطنين راضون عن النظام، بل إنهم يريدون وضوحا أكثر بشأن طابع التغيير الذي تحمله الثورة، خاصة أنه لا توجد قيادات واضحة لها، وقد تكون القيادات القادمة التي سوف تبرزها هذه الانتفاضة أكثر ديمقراطية ومدنية من الإخوان المسلمين أو من ظواهر تشدد ديني يروّج لها حاليا مثل السلفيين. أمّا الأسماء المنتشرة ـ والتي تُربط بالمعارضة ـ فهي منفرة لعموم السوريين، سواء كانت أسماء خدّام أو رفعت الأسد أو حتى بعض رموز الإخوان الذين راهنوا على الطائفية والتحالف مع خدام في مرحلة سابقة. ويتبنى هذا الموقف المتردّد الطبقات الوسطى القلقة من المستقبل.

ويظلّ التردد في هذه الحالة أقلّ منه في مصر؛ فخلال الثورة المصرية وجدنا المؤسّسة الكنسية رفضت المشاركة في مظاهرات يوم الغضب، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الشباب المصري القبطي من المشاركة، ثم لعب دورا متقدما خلال الثورة في التصدّي لمحاولة بثّ الفتنة الطائفية التي روّج لها النظام خاصة بعد ظهور معطيات تفجير كنيسة القدّيسين.

أمّا فيما يتعلّق بطرح شعارات طائفية في بعض المظاهرات الأولى، كالتي تناولت حزب الله وإيران، فهي وإن أوضحت جزءًا من الاختلال في تعريف الهوية الوطنية والموقف من النظام كأنه علوي والنظر إلى تحالفاته كأنها طائفية، فإنّ استخدام هذه الشعارات الطائفية ،المسيئة لرافعيها وللشعب السوري، كان طارئا وفي مناطقَ معيّنة بذاتها. لقد تأثّر الشارع آنذاك بمعطيات إعلامية تم إرساؤها لتبرير التدخل الخليجي لقمع المتظاهرين السلميّين في البحرين، وبتركيز الجهات الإعلامية لحزب الله على تناول موضوع البحرين وتجاهل التعاطي مع الاحتجاجات في سوريا. إضافةً إلى مجموعة من الشائعات الكاذبة المغرضة التي ظهرت في الشارع المحتجّ مفادها أنّ عناصر من حزب الله تشارك في قمع التظاهرات التي جرت في درعا، في حين كان بعض المتشددين يحاولون الركوب على موجة الاحتجاجات في مناطقَ معيّنة بريف دمشق.

ويمكن تفسير هذه الحالة أيضا في ضوء تشتّت الشارع ومرحلة إنضاج الشعارات الاحتجاجية، ومن ثم فإنّ الشارع الاحتجاجي ـ الذي بدأ كانتفاضة شعبية في درعا، ولم يطوّر قيادة سياسية قُطرية بعدُ لا يمكن أن يكون منضبطا في مثل هذا النوع من الاحتجاجات؛، لذلك فإنه قد يُنتج أحيانا شعارات طارئة س

المزيد


عزمي بشارة: للثورات العربية منطق

مارس 26th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , ثورة التحرير, ثورة ليبيا, سياسى, عزمي بشارة, فكرى

يقف المفكر العربي عزمي بشارة في صف الثورات العربية، منطلقا من أن المثقف العضوي مرتبط بطموحات الجماهير خصوصا جيل الشباب الذي فجر الربيع العربي. ورافق بشارة هدير الجماهير، ليس فقط عبر إطلالته الإعلامية في تحليل الثورات، بل -وقبل ذلك- من خلال تطوير خطاب ديمقراطي ثوري وعقلاني في الوقت نفسه، استطاع فيه أن يعمل المبضع في التراكيب الاجتماعية السياسية والفكرية العربية.

 وليس غريبا والحالة هذه أن من تابع الثورات العربية يستطيع أن يلمس أن كتبه الأخيرة مثل "أن تكون عربيا في أيامنا" و"المسألة العربية"، إضافة الى مقالاته وخطابه المعروف منذ نهاية التسعينيات مما روج لفكرة "دول المواطنين"، كانت في العديد من الحالات مراجع وبيانات للتغيير استند لها المنتفضون في تحليل الأوضاع التي ثاروا عليها.

 الآن، والعيون شاخصة إلى ليبيا واليمن والبحرين، والثورات المحتملة في البلدان العربية الأخرى، يبدو الحوار مع بشارة ضرورة ملحة، خصوصا أنه اشتبك مع الشؤون العامة من خلال التثوير الفكري ضد أنظمة ترى أي تحليل نقدي عملا تحريضيا ضد سيادتها.

 كما أن اشتباك بشارة في نقد الفكر اليومي يضعه في دائرة الضوء ويجعله مادة خصبة للتحليل، وحتى الخصومة من قبل أنصار الوضع القائم ربما، وهذا ما يجعل هذا الانحياز لقضايا الناس بالعمل اليومي تورطا وتضحية من المفكر لهما ثمن. فمن الأسهل للمثقف العربي البارز أن يجلس ويكتب وينشر فقط، ويتعالى على الخصومات، ولكن كيف يستقيم ذلك مع التنظير للديمقراطية ودور المثقفين.

 وإذا اختار المثقف ألا يقف على الحياد في هذه اللحظة التاريخية ولو كلفه الأمر ثمنا، فلا بد أن تتوالى الأسئلة، كيف يستقيم مثلا أن يحمل هذا المفكر لواء العروبة، ثم ينحاز للثورة على القذافي "أمين القومية العربية"، وكيف يدعو بشارة إلى دولة مدنية ديمقراطية لجميع المواطنين، وهو يدرك قبل غيره أن دولا عربية عدة تتكون من فسيفساء إثنية وطائفية ستنفجر إذا أرخت الدولة العربية قبضتها أمام "خطاب الأماني"، فتتهم الأنظمة الفكر الديمقراطي بالتخريب، تخريب التوازنات التي لا يحرسها الا الاستبداد. وتاليا الحوار:

ما أنجزه التونسيون والمصريون كبير جدا بمقياس التاريخ، فقد استطاع الشباب تغيير رؤوس الأنظمة، ولكن إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية التحولات الاجتماعية الاقتصادية للثورات التاريخية، فما جرى في مصر وتونس ثورات ناجزة أم حركات يمكن الارتداد عليها؟

 بشارة: حتى الثورات الناجحة في التاريخ حدثت ضدها ارتدادت أحيانا، لكن ذلك قطعا لم ينقص من كونها ثورات، والسؤال الآن هل ستنجح هذه الثورات في صنع التحولات! وأذكرك هنا بأن الثورة الفرنسية استمرت سنين طويلة، فهي لم تكن مجرد الهجوم على سجن الباستيل، بل تشكلت خلال سنوات طويلة، موجات إثر موجات من الحكام الذين وصلوا إلى الجمعية الوطنية (البرلمان) في باريس، وغيروا صيغة النظام، ثم حصلت ردة طويلة من النظام الملكي.

ولم تنتشر مبادئ الثورة في عموم أوروبا إلا عام 1848، أي أن الثورة الفرنسية مرت منذ قيامها عام 1789 وحتى العام 1848 بمراحل من الانتصار والارتداد.

يعني أن علينا أن نمر بنصف قرن من التحولات في العالم العربي حتى ينتشر ربيع الثورات والانتصارات الديمقراطية؟

 بشارة: لا، قطعا لا، لن نمر بنصف قرن ولا حتى بخمس سنوات، لأن طبيعة العصر والمرحلة تختلف، فهناك حاليا مؤسسات دولة، وجيوش حديثة ووسائل اتصال متطورة، وفئات المثقفين والطبقات الوسطى، وصيرورة تشكل الأمم. من المفيد أن نسترجع الثورات الكبرى كي نفهم الثورتين المصرية والتونسية، وإذا أخذنا الأمر من باب الشمولية واتساع وعمق المشاركة الشعبية، وطرحها مسألة نظام الحكم، فسوف نرى أن ما انطلق من تونس ومصر هو ثورات.

حجم المشاركة الشعبية عميق ومتسع، والشعب كله خرج إلى الشوارع وأسمع صوته بوضوح، وخلال مسيرة الثورة همش الشعب الأحزاب القائمة بل واضطرها إلى اللحاق به، كما اضطرت هذه الأحزاب القائمة إلى تغيير ثوبها حتى يقبلها الشعب. لقد كان الشعب هو الذات السياسية الفاعلة في اللحظة التاريخية، لا النظام ولا الأحزاب ولا الطوائف ولا الولايات المتحدة، إن الثورة هي اللحظة التاريخية التي لا يكون فيها الشعب مجازا بل حقيقة ملموسة وذاتا فاعلة وواقعا عمليا.

 لقد أطلق كفاح الشباب المارد الشعبي، وما قام به الشعب هو أنه ثوّر النظام والمعارضة معا، أي أن ما حدث هو ثورة شاملة بكل معنى الكلمة، وسوف تعقبها ثورة ثقافية وفكرية أيضا، فمثلا قام شباب الإخوان المسلمين المشاركون بالثورة بتغيير طبيعة هذه الجماعة التاريخية نفسها، وسوف يستمر هذا التغيير برأيي، وحدث هذا أيضا في صفوف حزب الوفد وحزب التجمع وداخل صفوف الناصريين، إنها ثورة شاملة، وأهم عامل فيها هو الشعب نفسه، وليس أميركا ولا أوروبا ولا الرأي العام العالمي ولا المجتمع الدولي.

لقد أعلن الشعب عن نفسه دون وسطاء ولا أيديولوجيا، وفي الحالتين المصرية والتونسية هما ثورتان دون شك، لكنهما تختلفان عن الثورات التاريخية في العالم خلافا لما يعتقد، وذلك لأنها انطلقت أولا بشكل غير مخطط، أي بدأت بحوادث احتجاج وانتهت إلى شيء آخر، وثانيا أنها كانت عفوية وبلا قيادة قبل أن تنتج لها لاحقا قيادتها بالتدريج، وليس واضحا بعد إذا كانت الثورة قد وفقت ببلورة قيادة تمثلها، لأن الثورة بدأت وحققت منجزات بسرعة، ولم يتضح إذا كانت الأحزاب القديمة قد تطورت بما يكفي لتحمل رسالة الثورة ولكي تكون أمينة عليها، يبقى أن تتبلور قيادة الثورة من خلال الثورة الثانية الجارية حاليا، أي بعد رحيل رأس النظام أمام إرادة الشعب، وهي الثورة اليومية لترجمة هذا المنجز إلى تغيير ديمقراطي في قطاعات الدولة والمجتمع المختلفة.

 ولكن ألا يعد غياب القيادة والعفوية ضعفا؟ أي جمع هاتين الصفتين مما قد يقود بالتالي إلى إمكانية انعكاس ذلك سلبا على مستقبل هذه الثورات؟

 بشارة: هذا يعد عنصر ضعف وعنصر قوة معا، فلو كانت هناك قيادة للثورة منذ البداية لاختلفت الأحزاب عليها وشككت بها، وهذا يعيدنا إلى مرضية الحياة الحزبية في ظل الأنظمة العربية، لأن الأحزاب العربية تقصي بعضها بعضا، وكل طرف يشكك بالآخر، مما يشكل عائقا أمام هذه الأحزاب في أن تعمل معا. وعنصر القوة في غياب قيادة وتركز المبادرة بأيدي الشباب، وما أطلق عليه "الثوار"، هو الذي مكن من الوحدة حول الثورة.

ولك أن تتخيل لو أن هذه الثورات قادها القوميون، إذن لما شارك فيها الإخوان المسلمون، وفي المقابل لو قادها الإخوان المسلمون لما شارك فيها أكثر من نصف المجتمع، إذن لم يكن هناك بد من ألا يقود الثورات إلا الشباب، ومن هنا تبع أهمية تعبير "الشباب" الذي انتشر أيضا للتدليل على ان المقصود ليس حزبا بعينه.

ولكن هذا يتركنا في مأزق، إنه سؤال الاستمرارية، بمعنى إذا كان الشباب ليس منظما، على الأقل في البداية، الآن: ما الذي يضمن أن تستمر هذه الثورات وتحقق فعلا تحولاتها النوعية؟

 بشارة: هناك شيء يمكن أن نسميه "روح الثورة"، تغلغل داخل المؤسسات، فأصبح الناس يشعرون بأنهم أمينون عليه. وبالتالي تحقق شيء عزيز على النفوس أشعر الناس بالكبرياء والاعتزاز معا، كما أشعر الناس أنهم حماته، وهذا أمر حصل قطعا في تونس ومصر.

لقد مرت لحظة تاريخية في تاريخ الشعبين المصري والتونسي -لا تحلل اقتصاديا- وهم يشعرون بالكبرياء بسببها، وهو نوع من الوطنية، إنه شعور عام بالانتماء للوطن، وهو أهم ضمان للثورة، ويجب أن يبني شباب الثورة عليه لكي يطرحوا قيادات أمينة لمبادئ الثورة، ولكي لا تحتوى من جديد من قبل أشخاص وقوى من فلول النظام. المهم الآن هو طرح رؤية الثورة بشكل منظم ومثابر ومحاسبة التطورات والإجراءات بموجبه.

 ألا يحتاج الأمر وجود ميكانيزمات تترجم هذا الشعور العام، خصوصا في ظل الخشية من ترهل الأمور مجددا أو من خطر ثورات مضادة؟

 بشارة: نعم، الأمور أكثر تعقيدا وتحتاج إلى تخطيط وإستراتيجيات وأحزاب، وينبغي تطوير الشعور العام، مثال على ذلك الاقتصاد والقضاء والجيش، ينبغي وجود خطة بشأن كل قطاع منها، كان بالإمكان الإطاحة بالرأس عفويا، ولكن لا يمكن حكم البلاد عفويا، وإذا لم يتوفر جسم منظم لديه فكر وإستراتجية للقيام بتغيير تدريجي ولكن مثابر، فسوف تستمر بالحكم عناصر النظام السابق المنبثة في كل قطاع من قطاعات الدولة والمجتمع.

 إن أي نظام مقبل ينبغي أن تكون لديه خطة بشأن الجيش ودوره، وهذا يحتاج إلى إستراتيجية وحزب وأفراد وضباط يدخلهم إلى المؤسسة العسكرية إضافة إلى خلق حالة من التأثير الفكري على المواطنين الذي يرتدون الزي العسكري، وفي الوقت نفسه يجب أن يملك القدرة على التأثير في البرلمان ومؤسسة الرئاسة، كما فعل حزب العدالة والتنمية في تركيا، صحيح أن الأخير جاء إلى الحكم في ظل جيش ق

المزيد


د.بشارة: بحال خروج نظام القذافي من الأزمة بسلام ، ستكون ليبيا مقر للثورات المضادة في كل من تونس ومصر

مارس 22nd, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , ثورة ليبيا, سياسى, عزمي بشارة, فيديو



الثورة المصرية الكبرى: آفاق ومخاطر …. عزمي بشارة

فبراير 6th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , ثورة التحرير, سياسى, عزمي بشارة, فكرى

بعد عقود من تراكم الشعور الشعبي بالقهر، انتفض الشعب المصري أخيرا ضد النظام الحاكم. لقد ربطت غالبية الشعب ما تتعرض له بطبيعة النظام الحاكم. وأصبح النظام عنوان المرارة من الظلم في أقسام الشرطة ومن الفساد في المعاملات الرسمية ومن الشعور بالفاقة في ظل الإثراء بواسطة الفساد والتقرب من ذوي السلطة.

لقد رُبط كل هذا أخيراً بنظام الحكم السائد، تجلى ذلك بالنقمة والنكتة الشعبية على حد سواء، كما تجلى في السخرية والقصائد والأغاني، وفي الاكتئاب وعدم الارتياح الشامل الذي لاحظه كل من زار مصر في السنوات الأخيرة. وبلغ الأمر حد أزمة الهوية، إذ مس النظام بالكبرياء المصري وفهم المصريين لذاتهم ولدورهم. وكان على النظام أن يؤجج وطنية مصرية على شكل عصبية فارغة مجوفة غير مستندة إلى المصلحة الوطنية ولا إلى افتخار الناس بإنجازات اقتصادية أو علمية أو سياسية، عصبية جوفاء غاضبة يسهل التحكم بها لتتحول إلى غضب ضد الآخر، أو إلى مجرد ولاء للنظام، أو تعصب ضد منتقدي الرئيس كأنهم ينتقدون البلد. واستغلت حتى لعبة كرة قدم لهذا الغرض.

ومثل بقية الأنظمة العربية نشر هذا النظام المرتكز إلى الاستبدال من الكفاءة مراءاة ذوي السلطة والنفوذ حتى في ميادين الثقافة، والمهنية بالقرابة والقربى، والإنتاج بالاستهلاك، كما نشر أخلاقيات الكذب والرياء في التعامل مع الدولة والنفاق في التعامل بين المرؤوسين ورؤسائهم والفظاظة في التعامل مع النقد، كما نشر عنفا شارعيا على مستوى التعاملات بين البشر يتحول بسهولة إلى طائفية وغيرها، كمسارب لتفريغ نقمة ومرارة الناس من نظام سياسي اجتماعي مجحف شحَن النفوسَ وحقنها بالعنفِ.

 ربما كانت ثورة تونس المجيدة هي السبابة التي ضغطت على الزناد، وربما بلغ السيل الزبى على أية حال. وكان الزناد هو الشباب المصري الواعي والمثقف الذي يمثل نقيض الثقافة التي نشرها النظام. إنه الشباب المتواضع والمهذب والمنفتح على العالم والرافض للفساد وعدم الكفاءة، والنافر من الظلم والبلطجة السياسية والتهريج الإعلامي. دعي هذا الشباب للانتفاض بعد "بروفات" عديدة قبل ثورة تونس أهمها إضراب 6 أبريل/نيسان الذي دعي إليه في المدونات والمحاولات المستمرة لنقل معاناة المواطنين عبر الإنترنت من الكاميرات التي يحملها الشباب على هواتفهم، و"حركة كفاية" التي كسرت حاجز الخوف واستمرت بالتظاهر فترة طويلة في مرحلة الركود، والاعتصامات المستمرة أمام نقابة الصحفيين، وتجاوز بعض الصحفيين المصريين حاجز الخوف في توجيه نقدهم لما كان يعد محرما على النقد مثل الرئيس وعائلته.

 وكانت النفوس محتقنة جاهزة لاستقبال النداء، وكانت العقول مقتنعة تنتظر الفعل والممارسة. فوقعت دعوة الشباب يوم 25 يناير/كانون الثاني وقوع صاعقة في السهوب بعد صيف طويل. لم يكن واضحا حين خرجت الجموع هل يوم الغضب هو يوم احتجاج أم ثورة سياسية جامعة. جاء هذا اليوم بعد أسابيع معدودة من ثورة سياسية شاملة في تونس قامت في ظروف شبيهة، أي من تولدت عن حركة احتجاج غير مخططة. فتولد فورا الوعي بأن المصريين يتظاهرون ليس ضد خطوة محددة قام بها النظام ولا للتعبير عن تضامن مع ضحية بعينها، بل ضد النظام بشكل عام.

لكن الثورة المصرية اختصرت الطريق من العيني إلى العام، إذ بدأت بالشأن العام مباشرة. لقد انطلق أهالي ناحية سيدي بوزيد في تونس احتجاجا على ما يتعرضون له من بطالة ومهانة بعد أن أشعل شاب نفسه احتجاجا، ثم انتشر الاحتجاج بالتدريج وتحول عبر تفاعله مع ظروف الناس ووعيهم بظروفهم إلى ثورة شاملة سعت الى تغيير نظام الحكم. ونستطيع الجزم بأن هذا لم يكن هدف المواطنين الأصلي في ناحية سيدي بوزيد. ولكن وضع الناس، بما فيه وعيهم، كان مهيأ لذلك. أما في مصر فقد كان يوم الغضب عاما منذ اللحظة الأولى، لم يكن مطلبيا موجها لرفع الأجور أو احتجاجا على رفع الأسعار بل كان عاما ضد كل ما يعانيه الشعب المصري في العقود الأخيرة، ويعد النظام سبباً له.

 أما في العنوان فقد رُبط هذا الأمر بالرئيس وعائلة الرئيس كما يحصل في أي نظام استبدادي، فرمز النظام الديكتاتوري هو الحاكم. وكانت مسألة التوريث رمزا لسلوك النظام بأنه يملك البلد ولا يحكمها فحسب. وشكلت موضوع التندر والنقمة في أحاديث الشارع المصري في الأعوام الأخيرة، كما استحوذ موضوع توريث المنصب من الرئيس لابنه على أحاديث هذا الشارع. لا غرابة إذاً أن يتركز الاحتجاج بشعار إسقاط الرئيس ومنع التوريث.

 هذا لا يعني طبعاً أن هدف الشعب المصري هو الإتيان بديكتاتور جديد أو الاستبدال من الرئيس رئيسا مخابراتيا ليعيش الشعب ثلاثين عاماً أخرى في ظل نفس نظام الحكم. يحتاج المرء الى خيال من نوع خاص لكي يتخيل أن عنوان رحيل الرئيس يعني الاكتفاء برحيله شخصيا. وكل من حاول أو يحاول أن يلخص مطلب المتظاهرين بذهاب الرئيس إنما يسعى إلى احتواء الثورة أو إجهاضها والالتفاف عليها بإبقاء نظام الحكم كما هو. وفعلاً لو كان الهدف التخلص من الرئيس المريض والمتقدم في السن لكان بالإمكان انتظار وفاته، أو انتظار  انتهاء مرحلته بعد ستة أشهر مادام تعهد بعدم الترشح مرة أخرى. وكما قال رئيس الحكومة المعين الجديد على محطة الـ"بي. بي. سي -BBC" العربية يوم 3 فبراير/شباط إن عدم الترشح في هذه الحالة يعني الرحيل وكفى.

 هنالك عملية استخفاف بعقول الناس واستهانة بتضحياتهم. لا يصنع الناس ثورة نادرة في تاريخ العرب والإقليم بهذا الاتساع والشمول وبهذا الزخم الشعبي وبهذا الكم من التضحيات (واسمحوا لي أيضاً أن أقول بهذا الجمال) لكي يسلم الرئيس السلطة لنائب الرئيس. فالرئيس يسلم ال

المزيد


التالي