صلاح سلطان: الإجماع نظرية لا علاقة لها بالواقع الفقهي
حوار – حامد العطار
في هذا الحوار ينادي الدكتور صلاح سلطان المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ووزارة الشئون الإسلامية بالبحرين بإحداث ثورة علمية على هذا الركن الكبير- الإجماع- وسلبه أهم خصيصة اكتسبها على مر العصور الفقهية المتزامنة، خصيصة "الحجية”!
فبينما نطالع في كتب الأصول في تراثنا الأصولي والفقهي جميعا أن الإجماع حجة بنفسه، مثله مثل الآية والحديث على اختلاف في بعض التفاصيل نجد الدكتور صلاح سلطان يرى أن الإجماع ليس حجة ولا دليلا من أدلة التشريع، بل يرى أن الإجماع فكرة تجريدية نظرية لا علاقة لها بالواقع الفقهي.
أي إن فقهنا على مدار أربعة عشر قرنا من الزمان لم يستطع أن يبرهن على وجود حكم فقهي مجمع عليه بالمقاييس التي حددها الأصوليون.
قضية كبيرة لا تنفع فيها العنعنة ولا الرواية أو الوساطة، بل لا بد من الاستجلاء الواضح، والحوار المباشر، لهذا كان لنا مع فضيلته هذا الحوار:
* في البداية، هل كنت تتوقع وأنت تكتب في حجية الإجماع وتسبح ضد التيار أن يتقبل العلماء هذه الدراسة النقدية، خاصة أنك قدمتها في رسالة علمية (الدكتوراة) ومعروف أثناء مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراة أنها تناقش الباحث مناقشة عنيفة خاصة فيما يتبناه من آراء مخالفة للاجتهادات السائدة؟
- الأصل ألا ينظر الباحث إلى مدى قبول العلماء أو رفضهم أثناء مناقشة القضية العلمية، وإنما ينظر إلى ما تؤدي إليه الأدلة التي أمامه، فليس من الموضوعية أن أحرص على تقديم ما يقبله الناس، فنحن لا نقدم ما يطلبه المستمعون، علماء كانوا أو غير علماء، وإنما نقدم ما يصلح المستمعين مما تقتضيه نصوص الكتاب والسنة، بمعنى آخر، لا يجوز أن ندخل إلى أية قضية بمقررات سابقة، فنلوي أعناق النصوص لكي نؤكدها.
وعندنا مقررات كثيرة، تناقلها كثير من العلماء على مر العصور دون تمحيص، ومن هنا دخلت إلى قضية الإجماع دون مقرر سابق، ودون الاعتماد على ما قرره العلماء السابقون حول الإجماع من الأمور التي لم يدل عليها نصوص قطعية من الكتاب والسنة.
وأنا أريد هنا أن أحكي سرا، فقد قرأت عن الإجماع ستة أشهر، ظللت أتنقل فيها بين كتب الأصول، فتبين لي أن فكرة الإجماع فكرة تجريدية أكثر منها عملية واقعية، فأردت أن أعرض هذا الأمر على أستاذي محمد البلتاجي حسن، وقد كان عالما ثريا في علمه إلا أنه كان عنيفا، وقد كنت أوصله من الجامعة إلى محطة مصر أحيانا، وفي الطريق نتناقش في بعض القضايا العلمية، وفي هذه المرة التي قررت أن أخبره فيها عما بدا لي حول الإجماع، أضمرت في نفسي ألا أخبره إلا بعد أن نصل إلى المحطة بالفعل، حتى لا يصيبني من عنفه إلا شتمة أو شتمتين قبل مجيء القطار!!
وبالفعل انتظرت حتى وصلنا إلى محطة مصر، وأخبرته أنني أقرأ حول الإجماع منذ ستة أشهر، وتبين لي أن نظرية الإجماع كلها تحتاج إلى إعادة صياغة على مستوى الفكرة والشروط وغير ذلك، وأن جميع ما كتب حولها لا يعدو أن يكون نظرية تجريدية لا علاقة لها بالواقع العملي الذي قدمه الصحابة رضوان الله عليهم!!
كنت أقول هذا وأنا أنتظر أن يلتفت إلي بعنفه المعهود، فإذا به يستدير إلي بعنف قائلا: "ولد أنت هييجي منك" ثم قال: إن هذا هو ما أومن به منذ 30 عاما، لكني أخشى من التصريح بهذا أو الكتابة عنه خشية من ضيقي الأفق، فاكتب وأنا سأدافع عنك إذا أثبت وجهة نظرك!
ذهبت وأنا أشعر كأني ولدت من جديد؛ لأنني كنت بين أمرين: إن طلب مني أن أكتب عن الإجماع كما يكتب العلماء فكنت سأصرف النظر عن الكتابة في الموضوع، مضحيا بسنة من الدراسة، وأنتظر أن أكون حرا فأكتب ما أقتنع به.
لكن الدكتور البلتاجي رفع عني هذا الحرج، فأخذت أتجول بين كتب الأصول وأتبحر فيها، فخرجت برؤية، قد أكون مخطئا فيها، لكنني أحسب– إن شاء الله– أنها أقرب إلى الصواب.
وعندما انتهيت من الرسالة أعددت بحثا آخر عن الغلو في حجية الإجماع وألقيته في إحدى الجامعات العربية في لقاء علمي للأساتذة فقط، فقال أحد الأساتذة: إن هذا انقلاب في علم الأصول، قلت: لعله محاولة "انعدال". وقد ظللت أكثر من 10 سنين مترددا في نشر البحث على عامة الناس، لكنني بعد الاستخارة والاستشارة قررت نشره أملا أن يكون إضافة إلى علم الأصول في تضييق الفجوة بين الحقيقة والتنظير.
مفهوم الإجماع
* أظن أنه يحسن بنا ابتداء أن تبين ما المقصود بمصطلح الإجماع عند الأصوليين.
-الإجماع حسب تعريف الأصوليين: "اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور بعد وفاته على حكم شرعي".
معنى ذلك أنه لابد من حدوث اتفاق بين جميع المجتهدين، وإذا لم يحدث اتفاق بأن خالف ولو واحد منهم فلا يتحقق الإجماع. كما أن الأمر مقصور على المجتهدين فلا دخل لغيرهم.
كما نلاحظ أن الإجماع بهذا المفهوم لا يتحقق إلا بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)، كما أن النطاق الذي يعمل فيه الإجماع هو الأمور الشرعية العملية دون العقائد والأخلاق.
كما أنه لا يشترط تتابع العصور على الإجماع، بل يحدث الإجماع بمجرد اتفاق المجتهدين في أي عصر من العصور بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم).
ومن الأشياء التي لاحظتها على تعريف الأصولين للإجماع:
- أنه لم يحدث إجماع على تعريف الإجماع، بل لم يحصل اتفاق على أهم أركانه، مثل اشتراط دخول العوام في الإجماع أم المجتهدين فقط؟ وهل ينبغي تحقق الإجماع في كل العصور على أمر معين أم يكفي الاتفاق في عصر من العصور؟ وهل هو حجة في كل الأمور أم في الجوانب الدينية عامة أم الشرعية خاصة؟
- بالرغم من شدة بحثي لم أجد تعريفا واحدا للإجماع لأحد من الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين أو تابعي التابعين أو أحد الأئمة الأربعة، أو كبار فقهاء القرن الثاني الهجري، مثل الليث بن سعد والأوزاعي ومحمد بن الحسن والشيباني وأبي يوسف.
معنى ذلك أن القضية التي سيتم فيها الإجماع قضية جديدة، فمثلا هل توقف القول بوجوب الصلاة حتى يجتمع لها المجتهدون ويثبتون حجيتها من جديد؟ حتى يقال: ثبتت فرضية الصلاة بالكتاب والسنة والإجماع؟. ومثل ذلك نقول في حرمة الزنا، والقضايا القطعية، (القطعي- كما يقول الجويني- لا يحتاج إلى الاعتضاد بغيره).
* وماذا عن المذاهب الأربعة، ألم تقل بحجية الإجماع؟
- نستطيع أن نستنتج بوضوح من خلال مراجعة كتب الأصول المختلفة أن نسبة حجية الإجماع إلى كل الأئمة الأربعة موضع نظر أو فيها شك!
فالإجماع عند أبي حنيفة غير واضح ولم ينص على قبوله، وحديث الإمام مالك عن الإجماع يأتي في سياق الإجماع السكوتي وإجماع أهل المدينة خاصة، وهذا شيء آخر غير الإجماع الأصولي، والشافعي في الأغلب يرى الإجماع اتفاقا على نص قطعي في مسألة لا يجهلها أحد من المسلمين، ولا يعترف إلا بالإجماع في عصر الصحابة فقط.
والإمام أحمد أقصى ما يقال عنه إنه أخذ بفكرة الإجماع السكوتي، والذي يسميه ما لم يعلم فيه خلاف، وفي الإجماع السكوتي اختلافات واسعة في حجيتها.
وعلى هذا فإن ما يردده كثير من الأصوليين أن الإجماع حجة عند الجمهور إلا فئة شاذة، مثل (النظام والإمامية وبعض الخوارج).. هذا القول فيه نظر؛ حيث يبدو أن الخلاف حول حجية الإجماع أوسع من ذلك بكثير.
* وما "الإجماع السكوتي"؟
- الاتفاق قد يحصل بقول صريح من كل المجتهدين، وقد يحدث بقول قائل أو مجموعة ويسكت الباقون فيعد هذا إجماعا عند الأصوليين. أما النوع الأول فيسمى الإجماع الصريح، وأما الثاني فيسمى الإجماع السكوتي.
* لكن للقائلين بحجية الإجماع أدلة كثيرة، فالمشهور مثلا أنهم يستندون في ذلك على قوله تعالى: "وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء/115]
- بالرجوع إلى كتب التفسير والأصول وجدت أنه لم يحدث اتفاق بينهم على الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع، فمثلا أكثر المفسرين لم يوردوا شيئا













