أظن وليس كل الظن إثم، أن لدى من الرصيد الذى يمكنى أن أفتح حوارا مع الإسلام السياسى بروافده، والذى بات حاضرا فى المجال السياسى والعام. تكوّن هذا الرصيد من خلال تجارب حوارية مبكرة بدأت أولا بين الشباب القبطى ومجموعة من رموز الفكر الإسلامى فى 1988، فى ذروة أحداث العنف الدينى من قبل الجماعات الدينية المسلحة.
تجربة رأينا آنذاك ــ وكنا شبابا ــ أن الحوار وبناء الجسور، لا العزلة أو الانكفاء، هما السبيل الوحيد لبناء الوطن (وقد سجلنا هذه التجربة فى كتابنا: الآخر.. الحوار.. المواطنة ــ 2005). ومن بعدها واصلنا الحوار إقليميا من خلال الفريق العربى للحوار المسيحى الإسلامى. ومع ما جرى فى 25 يناير انفتحت المساحة المدنية/السياسية أمام الجميع ليكونوا حاضرين للمساهمة فى بناء الوطن دون تمييز. بيد أن الآراء التى وردت من رموز الإسلام السياسى قد سببت كثيرا من اللغط والخوف لدى أقباط مصر وأتصور لدى كثير من المسلمين أيضا. وهو ما أكده العزيز الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح فى ندوة بمكتبة الإسكندرية أن «ممارسات الإسلاميين ساهمت فى ترسيخ الخوف من صعودهم (الشروق 25 مارس الماضى)». ومن هنا وانطلاقا من الشراكة الوطنية وإسلام الخبرة المصرية الذى أفخر به، أظن أنه من المفيد أن نطلق حوارا وطنيا من أجل وحدة هذا الوطن ومستقبله.. ولكن من أين يبدأ هذا الحوار؟
إسلام الخبرة المصرية
مرت تجربتنا الحوارية بمرحلتين: الأولى كانت معنية بقضية «مواطنية الأقباط»، والتى كانت ذروتها ما طرحه أستاذنا طارق البشرى ثم العزيز الدكتور محمد سليم العوا والذى بلوره أولا فى عام 1994 ونشرناه فى كتاب المواطنة: تاريخيا ودستوريا وفقهيا، وأصله ــ لاحقا ــ تفصيلا.
وظننا وقتها أن هذا الأمر قد حُسم، ما دفعنا إلى أن ننتقل إلى المرحلة الثانية والتى عنينا فيها «بمواطنية المصريين» وما يحول دون تحققها فى حياتهم اليومية. وفى المجمل ساهمت هذه الخبرة الحوارية فى بلورة اجتهاد إسلامى مصرى معتبر.. كيف؟
فى ضوء الخريطة الأولية للاتجاهات الإسلامية (راجع دراستنا غير المنشورة ــ 50 صفحة ــ بعنوان: قضايا غير المسلمين فى المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة قدمت لمؤتمر «اتجاهات التجديد والإصلاح فى الفكر الإسلامى الحديث» ــ مكتبة الإسكندرية ــ 2009، حيث قمنا برسم خريطة تفصيلية للإسلاميين وموقفهم من غير المسلمين)، يمكن القول إن تيار المجددين نجح فى أن يعبر عن الخبرة المصرية للإسلام مستوعبة المنظومات الفقهية الإسلامية من جهة، وفاعلة فيها من جهة أخرى. لقد كان ما قدمه الفقهاء قبل منتصف القرن الثانى الهجرى فيما يتصل بغير المسلمين «لا يعدو شذرات متناثرة. والواقع أن صياغة منظومة للعلاقات الاجتماعية من الناحية الفقهية كانت تحتاج إلى وضوح نظرى فى البداية فى مسألة صلة الإسلام بالشرائع الأخرى.. ونجد هذا التنظير أول ما نجده عند أبى حنيفة (150هـ)، وذلك فى رسالته العالم والمتعلم..»، ويعود ذلك إلى أن الإسلام كان يواجه بأوضاع مختلفة فى كل مكان امتد إليه، وعليه كثرت الاختلافات بين الفقهاء حول كثير من القضايا. بيد أن المستقر هو أنهم ماداموا «جزءا فى المجتمع أن يكون لهم التمتع بخيراته شأنهم فى ذلك شأن الفئات الاجتماعية الأخرى إذ.. الناس (بحسب أبى عبيد فى الأموال شركاء فى ثلاثة: الماء والكلأ والنار».
فى هذا السياق يقول رضوان السيد بعد أن يستعرض الآراء الفقهية المختلفة حول غير المسلمين.. «لا شك أن النظرة المتكاملة للموضوع تتطلب مراقبة المسألة من أربعة جوانب: جانب البداية التاريخية، وجانب الفقه الإسلامى، وجانب التعامل السلطوى، وجانب التعامل الشعبى..» ففى ضوء هذه الجوانب يمكن القول إنه لم تكن هناك خطة عامة للتعامل مع غير المسلمين منذ البدء. ومن المعلوم أن المجتمعات الإسلامية الوسيطة لم تكن مجتمعات اندماجية بل كانت مجتمعات عصبيات». وهنا كان الاختلاف الذى جعل من كل حالة لها خصوصيتها، فكانت الحالة المصرية بتعقيداتها كدولة ضاربة فى القدم، الأمر الذى مكن الفقهاء فى القرن التاسع عشر ومطلع العشرين أن يستجيبوا للتحديث والحداثة بدرجة أو أخرى، حيث تأسس تيار المجتهدين.
من الذمية إلى المواطنة
المجتهدون هم الذين حاولوا فى مواجهة ما أثير













