Yahoo!


العرب.. ومشكلة “الدولة” …………….. أ/حازم علي ماهر

ديسمبر 12th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , اجتماعى, حازم علي ماهر, سياسى, فكرى

مقالة قيمة نشرت على موقع إسلام أون لاين للباحث المتميز أ/ حازم علي ماهر أرى أنها قد تفيدنا في المرحلة الحالية التي تمر بها أمتنا العربية
=================================================
الدولة في الفكر الإسلامي
العرب.. ومشكلة "الدولة"
حازم علي ماهر
"على الرغم من أهمية مؤسسة الدولة في العالم العربي، فإن الاهتمام بدراستها -كقضية فكرية وسياسية- هو أمر حديث وغير مكتمل. فلدينا أكثر من 20 دولة عربية ذات سيادة، والكثيرون يأملون في دولة عربية موحَّدة، وهذه الدولة القطرية ذات جهاز إداري ضخم ومتحكم بصورة طاغية على الاقتصاد القومي وعلى نظم التعليم والثقافة، ومع ذلك فإن التنظير للدولة -بتجذرها الاجتماعي، وإطارها القانوني وأخلاقياتها الفلسفية- ما يزال متخلفا بصفة عامة".
هذه هي الأطروحة الرئيسية التي يُصدِّر بها الباحث الجادّ والأستاذ في العديد من الجامعات الأوربية، الراحل نزيه نصيف الأيوبي، كتابَه "العرب ومشكلة الدولة[1] "، والذي يسعى إلى تحليل الجذور المختلفة لفقر التنظير حول قضية "الدولة" في الفكر العربي حتى وقت قريب؛ ثم لتقديم عرض نقدي للكتابات الحديثة التي بدأت تظهر في هذا الخصوص منذ السبعينيات؛ مستهدفا من ذلك سبر غور موضوع العلاقة بين "الدولة" وبين مجتمعها المدني، وكشف طبيعة الواجهة الأيدلوجية التي تستخدمها "الدولة" لتبرير احتكارها لاستخدام القوة في المجتمع وسيطرتها على العمليات الاقتصادية والفكرية فيها.
نظريات الدولة في الفكر العالمي
وهو في سبيل تحقيق هذا الهدف، يخصص الفصل الأول منه لعرضٍ (يستغرق ما يقرب من نصف الكتاب) للآراء والنظريات التي طُرحت حول مفاهيم الدولة ونشأتها وتطورها في الفكر العالمي المقارن منذ القرن السادس عشر الميلادي وحتى القرن العشرين؛ على يد رواد من أمثال ميكافيللي وبودان وهوبز وهيجل وماركس، وما حدث لموضوع "الدولة" من تطور مع بداية السبعينيات حين أصبح موضوعا محوريّا في الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، إلى أن يصل إلى أن "الدولة" -في الدراسات المقارنة- هي ظاهرة ومفهوم يمكن تحديد أصوله وجذوره.
"الدولة" – في الدراسات المقارنة– هي: ظاهرة، ومفهوم يمكن تحديد أصوله وجذوره
ولكن التعدد والتنوع في طبيعة المؤثرات التي خضعت لها عملية تكوين "الدولة الحديثة" قد أدى -بدوره- إلى وجود مفاهيم مختلفة لاصطلاح "الدولة" في الأدبيات المختلفة، حددها الكتاب في: حكومة، نظام قانوني مؤسسي، طبقة حاكمة، نظام معياريٍّ متكامل للقيم العامة؛ إلا أن هذا الاختلاف هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تناقض.
وعلى أية حال فإنه لكي يصح استخدام مفهوم الدولة في الدراسات المقارنة، فهناك أسلوبان يمكن اللجوء إليهما في هذا السبيل:
الأول هو تعريف الدولة تعريفا مبدئيّا مبسطا مستخلصا من الخبرة والملاحظة الشخصية، ثم القياس الكمي لدرجات أو مستويات مختلفة من الدولنة Stateness.
والثاني هو النظر إلى الدولة باعتبارها -على الدوام- ظاهرة تاريخية وثقافية لا يمكن فهمها إلا في ارتباطها بمجتمع معين.
وفي غمار هذا العرض المقارن، يتوقف الكتاب عند النظريات التي طُرحت حول موضوع "الدولة" في العالم الثالث، ويستعرض تساؤلات مهمة عن أسباب عدم سعي التكوينات غير الأوروبية -التي لم تمر بتركيبة مماثلة من العوامل التاريخية- إلى خلق "الدولة الحديثة" بدلا من أن تبحث عن أنماط أخرى للدولة، ولماذا نجد أن المجتمعات التي تعارض الأيدلوجيةُ السائدةُ فيها (مثلا: الأصولية الإسلامية) فكرةَ "الدولة-الأمة"، عاجزة عن أن تتخطى مرحلة الرفض لكي تشكل نماذج سياسية بديلة للدولة؟.
وهكذا فإن المشكلة تزداد تعقيدا في بلدان العالم الثالث؛ لأن عملية محاولة بناء الدولة فيها تتطلب كذلك عملية بناء "أمة"، وبناء اقتصاد وطني في الوقت نفسه، وتؤدي هذه المحاولة -وخاصة في ظروف استمرار التبعية- إلى وقوع المجتمع في براثن التسلط والعنف.
وهذا -بدوره- يثير تساؤلا آخر حول كيفية إزالة التناقض بين المفهوم "القانوني" للدولة وبين المفهوم "الاجتماعي" لها.
لمعالجة هذه الإشكالية، يستعرض الكتاب طريقين مختلفين: طريقا تطرحه مدرسة التحديث أو المدرسة التنموية التي سادت الفكر الأمريكي (والغربي بصفة عامة)، وهو طريق نقل الخبرة الغربية إلى الدول غير الغربية بأسلوب "الحض" أو أسلوب "المحاكاة والتقليد"، وهي عمليات يعوّل فيها كثيرا على دور النخب ذات التعليم الغربي.
والطريق الثاني تطرحه مدرسة الاقتصاد السياسي اليسارية التي ترى أن المشكلة -في حقيقتها- راجعة إلى طبيعة الدولة التي أقامها الاستعماريون في البلدان التابعة للرأسمالية العالمية، تلك "الدولة المتضخمة" التي لم تتأسس عن طريق برجوازية وطنية، وإنما عن طريق برجوازية استعمارية أجنبية.
وكنوع من محاولة تفسير هذا التناقض، ينقل الكتاب عن "غرامشي" فكرة أنه في الغرب يتسيد المجتمع المدني على الدولة، وتتخذ سيطرة الطبقة الحاكمة صورة التراضي والهيمنة، على حين أنه في الشرق تتسيد الدولة على المجتمع المدني وتتخذ سيطرة الطبقة الحاكمة شكل التسلط والقهر؛ "فالدولة هي كل شيء".
بعد ذلك يعرض الكتاب لما أسماه "الطريق غير الفرداني" إلى بناء الدولة، ويقصد به ذلك الاتجاه الذي ظهر على يد الرومانسيين الألمان، والذي ربط بين فكرة "الجماعة" وفكرة "الدولة"، ولم يتبنَّ الفلسفات الفردية التعاقدية التي قامت عليها الدول الأوربية الأخرى. وفي هذا يشار إلى أن هذا الطريق كانت له تأثيراته على كثير من المثقفين في العالم الثالث، وخاصة في الوطن العربي، ممن يورد الكتاب نماذج مهمة منهم فيما بعد.
وينهي المؤلف عرضَه للدراسات المقارنة هذه بالإشارة المهمة إلى "الطريق غير الأوربي" في بناء "الدولة"؛ باحثا عن "نموذج بديل.. لنمط دولة واقعية أخرى ذات مسار تطوري" مغاير لمسار الدولة الأوربية؛ ويقصد به التجربة اليابانية؛ حيث إن اليابان هي دولة واقعية فعالة و"ناجحة"، مع أنها قد سلكت في تطورها مسلكا مخالفا إلى حد بعيد للدول الغربية. ويورد آراء لبعض العلماء اليابانيين توضح أن تجربة اليابان السياسية والمؤسسية تدفع علماء السياسة فيها إلى أن يطرحوا أسئلة لا تتوارد على خاطر قرنائهم الغربيين، من قبيل: طبيعة دور الجماعات القروية والتشكيلات الأسرية في تشكيل بعض المؤسسات الحديثة في اليابان، الجذور التقليدية للدولة اليابانية؛ بما في ذلك مؤسسة "الدولة القديمة" المقتبسة عن الصين، ونظام "المعاني والأقانيم الكونية" الياباني cosmology الذي يحكم عمل المؤسسات السياسية والإدارية بما في ذلك المقتبس منها من الغرب، وكذلك مجموعة القيم اليابانية المتميزة.
وإذا كانت "المجمتعات التفرقية" (كالمجتمعات الغربية) -كما يطلق عليها اليابانيون- تتكون فيها الجماعات السياسية بناء على مبدأ التصارع على السلطة، فإن "المجتمعات التجمعية" (مثل المجتمع الياباني) تتكون فيها الجماعة السياسية بناء على مبدأ التشارك في السلطة Kikyo. ولذا يعتبر الكتاب أن التجربة اليابانية والتنظيم الياباني بخصوصها إنما يوضحان بجلاء أن هناك أكثر من طريق ممكن للتوصل إلى "الدولة"؛ ومن ثم فإن اهتمام بعض المثقفين العرب في الفترة الحالية "بإعادة اكتشاف اليابان" هو اهتمام يستحق التشجيع والمتابعة.
الدولة في الفكر الإسلامي التقليدي
ينتقل الكتاب -في الفصل الثاني- نقلة نوعية؛ إلى دراسة قضية "الدولة" في الفكر الإسلامي التقليدي؛ حيث ينطلق من القول بأن مفهوم الدولة الحديثة غير موجود أو غير وارد في الفكر السابق على العصر الحديث؛ وإن كانت ظاهرة "الدولة" معروفة في "البلدان المسلمة"، على الأقل بمعناها القانوني ومعناها الهيكلي. فالدولة هي "سلعة غربية مستوردة"، جاءت إلى العالم الإسلامي عنوة عن طريق المستعمِر في جانب منها، وتدعَّمت فيه عن طريق اقتباس الحكام ومحاكاتهم لأساليب "هذه السلعة" ومنظماتها من جانب آخر.
ليس في الفك

المزيد


استقلال القضاء وتطبيق الشريعة..تلازم منسي (أ/ حازم علي ماهر)

يوليو 20th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , اجتماعى, حازم علي ماهر, سياسى, فكرى

يجري الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية هنا وهناك منصبا في العادة على الأحكام الخاصة بالحدود وبعض المعاملات دون أن يتطرق إلى أمور أخرى قد تصل إلى درجة الفروض والأصول، ولكنها فروض ينساها الكثيرون، معتقدين أنها من الأمور التي لا ينبغي بالضرورة التركيز عليها.

هذه الأصول أو المبادئ التي ينبغي أن يرتكز عليها أي تطبيق صحيح للشريعة الإسلامية هي: الشورى، والعدالة، والمساواة، والتزام الدولة بالقانون المستمد من مصادر التشريع الإسلامية، واحترام حريات الناس وحقوقهم[1] ، هذه هي الأعمدة الرئيسية التي يتعين أن يقوم عليها كل بنيان إسلامي للدولة وإلا قام بنيانها على شفا جرفٍ هارٍ سينهار به لا محالة.

وإذا كانت هذه المبادئ تقف على رأس الأولويات في تطبيق الشريعة الإسلامية، فإنه يتعين الانشغال الجاد بوضع ضمانات لها قبل أي حديث عن تطبيق الحدود الشرعية وباقي المعاملات. إذ كيف يتسنى أن نأتمن أنظمة الفساد والاستبداد على تطبيق مبادئ مهما بلغ سموها قبل أن نلجمهم بلجام يمنعهم من إساءة استخدام الشريعة وجعلها "قفازًا" يرتكبون به جرائمهم ثم يلقونه ولا يبالون؟!

القضاء المستقل.. ضمانة الشريعة

ولعل من أهم تلك الضمانات وأكثرها حيوية في النظام الإسلامي أن يكون هناك قضاء مستقل يقف سدًا منيعًا ضد الفساد والاستبداد؛ فبدون استقلال القضاء لن يكون هناك عدل ولن تكون هناك شورى ولا مساواة، ولا احترام لحريات المواطنين ولا اعتبار لحقوقهم، ولا سيادة حقيقية لمبادئ الشريعة الإسلامية على النظام القانوني القائم.

وقد عبر أستاذنا الجليل الدكتور كمال أبو المجد عن ذلك بقوله: "إذا امتهن القضاء أو مُس استقلاله فقد مُس – بحكم الاحتمال - كل حق وكل حرية وكل كرامة. ويوم يهتز الكرسي تحت القاضي فقد اهتزت عروش كثيرة، واهتز الأمن وانتشر القلق وضاعت الحقوق وامتهنت الحريات، وأوشك قانون الغاب أن يحل محل قاعدة القانون"[2]. ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين استقلالية القضاء وتطبيق الشريعة الإسلامية.

ما المقصود باستقلال القضاء؟

على الرغم من الاعتراف بمبدأ "استقلال القضاء" في جميع الدول فإنه من الصعب تحديد تعريف جامع له لتنوع النظم القانونية والسياسية في العالم، ولهذا حاولنا تعريفه هنا تعريفًا مبسطًا مع التركيز على بيان المحورين اللذين يحققان الاستقلال في العصر الحاضر، خاصة في الدول التي تأخذ بمبدأ "الفصل بين السلطات".

إلا أنه ليس صحيحًا أن استقلال القضاء يرتبط ارتباطًا لازمًا بهذا المبدأ، وبرهان ذلك - على سبيل المثال - أن القاضي في الدولة الإسلامية منذ قيامها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحتى سقوط الخلافة سنة 1924م كان يعتبر نائبًا للخليفة، فكان يتبع السلطة التنفيذية، إلا أنه مع ذلك كان - من الناحية العملية - يتمتع باستقلال يفوق إلى حد كبير الاستقلال الذي نراه في الدولة الحديثة، فكانت له سلطة وضع قواعد قانونية، وسلطة تقديرية كبيرة جدا في فرض العقوبات التعزيرية، كما أنه لم يكن لأي خليفة من الخلفاء أن يجرؤ على إنشاء محاكم استثنائية تحاكم المواطنين (الرعية) بديلا عن قاضيه الطبيعي، أو يمتنع عن تنفيذ حكم قضائي، فضلا عن أنه كان لا يخضع في قضائه إلا لأحكام الشريعة الإسلامية التي لا يمكن لأحد كان أن يجبره على مخالفتها أو الخروج عليها حتى الخليفة نفسه [3].

أما عن المقصود باستقلال القضاء فإن للزعيم الوطني مصطفى النحاس كلمة بليغة قال فيها: "معنى استقلال القضاء الذي وكلت حقوق الناس إليه، وأصبحت أموالهم وأرواحهم وديعة بين يديه، أن يجلس في محراب العدالة قبلته القسطاس المستقيم وغايته إحقاق الحق وإنصاف المظلوم، لا سيف من نقل أو عزل يُسلط عليه، ولا تهديد أو وعيد ينال منه، بل يختلي في صومعته المقدسة، هادئة نفسه، مطمئنا ضميره، يبحث وينقب ويراجع، ويقلب حتى يصل إلى ما يستريح إليه، وليس عليه من رقيب سوى علام الغيوب.. ألا ما أسعد مصر وحكومتها الشعبية إذا أحيط قضاتها بضمانات قرت بها أعينهم، ورفعت بين الناس ذكرهم، ومكنت لهم استقرارهم، فلا يُقال لقاض بعد اليوم عزلناك لأنك حكمت، أو أقصيناك لأنك تحديت وما خضعت[4].

هذه الكلمة تلخص إلى حد كبير ما نقصده باستقلال القضاء في هذا المقام، وهو ألا تتدخل السلطة السياسية – سواء كانت تنفيذية أو تشريعية - في أعمال القضاء أو اختصاصاته، وألا يكون هناك سلطان على القاضي سوى ربه ثم ضميره. ومن ثم فإننا نرى أن هناك محورين لا يمكن أن يكون هناك استقلال للقضاء إلا بتوافرهما معًا:

سلامة التكوين النفسي والتربوي للقاضي

وهذا الأمر - كما عبر المستشار الجليل طارق البشري - يتعلق بالحس المعنوي اللازم دائمًا لرجل القضاء بأن في أدائه لعمله أداء لنوع "رسالة" أو مهمة سامية. فهذا الحس هو أمر لازم في التكوين النفسي للقاضي؛ لأنه هو الحس الذي يعوضه معنويا عما لا يتوافر لديه أحيانا من ماديات الحياة المكفولة للكثيرين أمثاله من النخب الاجتماعية، وهو "الحس" الذي يدربه على صفة "الاستغناء"، ولا استقلال بغير القدرة على الاستغناء[5].

ومن أفضل ما يعبر عن تلك الضمانة ما جاء في الكلمة القيِّمة التي ألقاها المستشار صبري أبو علم بمناسبة صدور قانون استقلال القضاء سنة 1943 - وكان وزيرًا للعدل آنذاك - من أن خير ضمانات القاضي هي تلك التي يستمدها من قرارة نفسه، وخير حصن يلجأ إليه هو ضميره، فقبل أن تفتش عن ضمانات للقاضي، فتش عن الرجل تحت وسام الدولة، فلن يصنع الوسام منه قاضيًا، إن لم تكن بين جنبيه نفس القاضي، وعزة القاضي، وكرامة القاضي، وغضبة القاضي لسلطانه واستقلاله.. وهذه الحصانة الذاتية، هذه الحصانة النفسية، هي استقلال القضاء، لا تخلقها نصوص، ولا تقررها قوانين، إنما تقرر القوانين الضمانات التي تؤكد هذا الحق وتعززه، وتسد كل ثغرة قد ينفذ منها السوء إلى استقلال القضاء، هي ضمانات وضعية تقف بجانب الحصانة الذاتية سدًا في وجه كل عدوان، وضد كل انتهاك لحرمة استقلال القضاء، بل إن شئت فهي السلاح بيد القوي الأمين، يذود بها عن استقلاله ويحمي حماه"[6].

وهذا الحس لا يتكون إلا عبر تربية القاضي وتنشئته على قيم الحيدة والاستقلال منذ التحاقه بالقضاء، بل إنه لا بد من التأكد من توافره عند التعيين في الهيئة القضائية.

فينبغي عند اختيار القاضي مراعاة أن تتوافر فيه السلامة العلمية والخلقية اللازمة لتولي وظيفة القضاء، ولهذا فإن الاختيار يجب أن يتم على أسس موضوعية لا تمييز فيها إلا بالنزاهة والكفاءة، وذلك أيًا كانت طريقة الاختيار، الانتخاب أو التعيين… إلخ.

وقد اهتم الفقه الإسلامي بتوافر شروط عديدة تجب مراعاتها في من يتولى القضاء تكفل اختيار أفضل العناصر الصالحة للقيام بأعباء تلك الأمانة، أوجزت بعضها المادة 1792 من مجلة الأحكام العدلية، حيث نصت على أنه: "(يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حَكِيمًا فَهِيمًا مُسْتَقِيمًا، وَأَمِينًا مَكِينًا مَتِينًا) ومعنى "حكيمًا" أن يكون عادلا، تقيًا، عاقلا، و"فهيمًا" أَيْ فَطِينًا، وَأَنْ يَسْتَجْمِعَ أَثْنَاءَ الْمُحَاكَمَةِ فَهْمَهُ وَذِهْنَهُ، و"مستقيمًا" أي أنه لا يكون محتالا مُعَانِدًا يَأْخُذُ الْهَدَايَا وَالرِّشْوَةَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ النَّاسِ الْمُخْتَلِّي الشَّرَفِ…

المزيد


المادة الثانية من الدستور .. بين الإلهاء والإلهام … الكاتب: أ/ حازم علي ماهر

أبريل 30th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , اجتماعى, ثورة التحرير, حازم علي ماهر, سياسى, فكرى

ترددت كثيرًا في الكتابة عن المادة الثانية في الوقت الذي تشهد فيه مصر أعظم ثورة في تاريخها على الإطلاق، بل في تاريخ العالم أجمع، غير أنني حسمت ترددي حين وجدت الجدل حول المادة الثانية يتصاعد بشكل عبثي يبدو أنه يسعى إلى تحويلها إلى مصدر إلهاء لأبناء الوطن الذين توحدت دماؤهم في سبيل الدفاع عنه وحمايته على مدى التاريخ بصفة عامة، وأثناء هذه الثورة بصفة خاصة، بدلا من أن تكون هذه المادة مصدر "إلهام" لهم.

 وأبدأ أولا بإعطاء نبذة عن المادة الثانية والمقصود بها وآثارها، وبعض الإشكاليات التي تحوم حولها، ثم أشير لتصوري عن كيفية جعل المادة الثانية مصدرًا لإلهام المصريين في هذه الظروف المباركة التي نحياها.

المادة الثانية من الدستور تنص على أن: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

وقد ورد هذا النص في كافة الدساتير المصرية السابقة على دستور 1971م، ما عدا دستور 1958م (دستور الوحدة مع سوريا)، غير أنه لم يكن يتضمن العبارة الأخيرة التي تنص على أن "مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع"، والتي أضيفت في دستور 71 دون الألف واللام، ثم أضيفا إليها في التعديل الأول للدستور عام 1980م، في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

والنصوص الدستورية المتعلقة بالشريعة الإسلامية هي نصوص "كاشفة"، و"مقررة" وليست "منشئة" لمرجعية الشريعة الإسلامية في مصر؛ حيث كانت الشريعة الإسلامية قبلها هي المصدر الأساسي للتشريع فيها منذ فتحها سنة 640م، وحتى إقصاؤها عنوة في عهد الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882م، باستثناء قوانين الأحوال الشخصية التي لم تفلح أيًا من محاولات عزلها عن مصدرية الشريعة الإسلامية.


المقصود بالمادة الثانية

أما عن المقصود بنص المادة الثانية من الدستور فإنه من المعروف أن هناك اختلافًا كبيرًا بين الفقهاء في تحديد تعريفات جامعة مانعة لما ورد بها من مصطلحات ومفاهيم نتيجة غموض بعضها، ولذا سأورد هنا ما انتهيت إليه من تحديد لمعانيها بشكل مختصر:

"الإسلام دين الدولة" يقصد به أن الدولة تكون ملتزمة في تصرفاتها المختلفة بمراعاة ما يقرره الدين الإسلامي من قيم ومبادئ ومقاصد وأحكام. ونسبة دين للدولة ليست بدعًا بل هي أمر معمول به في كثير من الدول الأوروبية (كالسويد والدنمارك) وأمريكا اللاتينية (كبوليفيا وبيرو)، أما نسبة الفعل لشخص معنوي كالدولة والمؤسسة والشركة هو أمر متعارف عليه وغير منكر.

وبخصوص النص على أن "اللغة العربية لغتها الرسمية" فهو يعني التزام الدولة باللغة العربية في مكاتباتها باعتبار أن هذه اللغة هي الوعاء الذي حفظ به القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث الأمة وتاريخها، والتخلي عنها يؤدي إلى الانقطاع عن كل ذلك.

و"مبادئ الشريعة الإسلامية" أي كلياتها التي هي ليست محل خلاف بين الفقهاء، كما عرفها العلامة عبد الرزاق السنهوري، أول من وضع هذا المفهوم في النظام القانوني المصري وبالتحديد في القانون المدني الذي صدر سنة 1947 والذي لازال مطبقًا في مصر حتى الآن، وأنا أختاره هنا كتعريف أدق من ذلك الذي وضعته المحكمة الدستورية العليا في أحكامها بأنها الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة باعتبار أن من الشريعة ما يكون مستمد من طريق الاستقراء التام من طرائف نصوص الشريعة (مثل مقاصد الشريعة الإسلامية).

ومعنى أنها "المصدر الرئيسي للتشريع" أي الأصل الذي يتعين على السلطة التشريعية أن تستمد منه تشريعاتها أو على الأقل ألا تصدر أي تشريع مخالف له.


الآثار العملية

أما عن الآثار العملية لنص المادة الثانية فإنها قد ساهمت إلى حد كبير في الحفاظ على ركن أساسي للهوية الحضارية والثقافية للشعب المصري، غير أنه لم يتم تفعيله بصفة شاملة حتى الآن، ويرجع السبب الأكبر في ذلك إلى تبني المحكمة الدستورية العليا اتجاهًا وصف من بعض الفقهاء أنه جاء لاعتبارات سياسية وليست قانونية، أدى إلى تحجيم آثار نص المادة الثانية زمنيًا وموضوعيًا، بأن جعلت إلزاميته قاصرة على التشريعات اللاحقة للتعديل الذي طرأ على النص سنة 1980 دون السابقة عليه، وكذلك باتجاهها إلى أن الخطاب في المادة الثانية موجه للسلطة التشريعية وحدها، دون أن تفعل شيئًا حيال امتناع تلك السلطة عن تفعيل هذا النص حتى الآن، وهو ما ساعد على إفراغ النص من مضمونه، وعزله عن الواقع التشريعي إلى حد كبير.

وعلى الرغم مما سبق فإن المادة الثانية من الدستور المصري الصادر سنة 1971م، لا زالت هي صاحبة النصيب

المزيد


شخصنة الفكرة وفكرة الشخصنة

نوفمبر 30th, 2010 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , حازم علي ماهر, فكرى

شخصنة الفكرة وفكرة الشخصنة

حازم علي ماهر

 
حين نتأمل حال كثير من الأفكار في عالمنا الإسلامي نجدها تحولت-أو كادت- من مصدر للقوة والنهوض، إلى منبع للشقاق والجمود رغم أننا نمتلك أفكارًا تمثل المرجعية الهادية للبشرية وتُستمد منها، ولكن يبدو أن منهج تعاملنا مع هذه الأفكار يعاني من أزمات أدت إلى هذا التحول البغيض 1.
من أجل هذا بات من المهم أن نتأمل في أحوالنا الفكرية وننظر إليها نظرة شاملة نراجع فيها خطواتنا، ومناهجنا، عن طريق إلقاء الضوء على بعض المشكلات التي تعانيها في عالمنا الإسلامي، حيث نبدأ ببحث مشكلة فكرية حقيقية وهي مشكلة "الشخصنة": "شخصنة الفكرة" 2، فما هي حقيقة تلك المشكلة، وما هي أهم مظاهرها في عالمنا الإسلامي؟ وما هي مساهمتها في تحول خلافاتنا الفكرية الموضوعية إلى معارك شخصية؟ وهل من ضرورة أو فائدة تعود علينا من وجود شخص تتجسد فيه أفكارنا أم أن هذا يؤدي إلى مخاطر تجعلنا نتمهل في قبول هذه المسألة؟ وما هو موقف المرجعية الإسلامية من شخصنة الأفكار؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى شخصنة الفكرة في بلادنا على الوجه الذي نلمسه جميعًا؟ وهل من سبيل لمعالجة حاسمة لتلك المشكلة؟
 
هذه بعض الأسئلة والإشكالات التي سنحاول أن نناقشها في هذا المقام.. آملين أن نسهم في تقديم ما يساعد على إثارة الانتباه وشحذ الجهود للتخلص من هذا الداء الذي نرى أنه يمثل تحديًا كبيرًا يواجه الوحدة الفكرية المنشودة بين أطياف الأمة المختلفة.   
 
ماذا نقصد بشخصنة الفكرة؟
لم أجد تعريفًا محددًا لمسألة الشخصنة فيما اطلعت عليه من مصادر تتناول تلك الإشكالية أو تتعلق بموضوعها 3، ولهذا اجتهدت في محاولة وضع تعريف مختصر أوضح فيه ما أعنيه بها على الوجه الآتي: شخصنة الفكرة: تحويلها من فكرة مجردة إلى فكرة مجسدة تتمحور في شخص معين، سواء سلبًا أو إيجابًا. وكذلك: ربطها بأمور شخصية خارجة عن موضوعها ومنهجيتها وأصولها وأدلتها، كالعواطف الإنسانية والمصالح الدنيوية والرؤى المذهبية.
وقد عرف المعجم الوسيط "الفكرة" بأنها: "الصورة الذهنية لأمر ما" 4؛ فهي بطبيعتها أمر معنوي مجرد لا ترتبط بشخص (أو بشيء) خارجها إلا على النحو الذي يساعد على فهمها أو تفسيرها لا أكثر ولا أقل. فإذا اندمجت الفكرة بعالم الأشخاص (وكذلك بعالم الأشياء) فهي لا تنتج –في الغالب- حضارة حقيقية، إلا إذا ظلت  منفصلة في الوعي عن الأشخاص، لا تموت بموتهم ولا تتقلب مع تقلباتهم، وتبقى هي الحكم عليهم والميزان الذي توزن به أعمالهم.
ومؤدى هذا أن تجسيد الفكرة في شخص ما لا يعني بالضرورة وجود خطورة على الفكرة وتجريدها بل قد يكون في تجسيدها إضافة قوية لها باعتبار أن حاملها يقوم مقام القدوة التي تؤكد على إمكانية تطبيق الفكرة وتحققها، إلا أن الخطورة تحدث حين يتم التبادل في ذهن الناس بين الفكرة المجردة والشخص الذي تجسدت فيه فتصبح الفكرة طوع تصرفات الإنسان، تُعرف به وتنتهي بتخليه عنها أو بموته، عندئذ تحدث المشكلة محل النقاش.
وشخصنة الفكرة قد تكون بربطها بشخص طبيعي (إنسان)، أو شخص معنوي (حركة، جماعة، حزب، مؤسسة، شعب، عِرق… إلخ)، ولا يُشترط أن يكون الشخص الطبيعي –الذي تتمحور حوله الفكرة- حيًا، أو أن يكون الشخص المعنوي موجودًا بل على العكس من ذلك؛ فقد يكون موت الإنسان (وبالذات استشهاده) سببًا في تقديس أفكاره وجعله معيارًا عليها، يعتبر المخالف لرأيه فيها أو لمنهجه بشأنها خارجًا على الفكر الصحيح نفسه وكارهًا بل ومحاربًا لهذا الإنسان 5، أو عكس ذلك كله إذا كان صاحب الفكرة من المغضوب عليهم أو الضالين –في نظر المشخصين- فتُحتقَر أو تُبخَس أفكاره الغث منها والثمين6!
 
من مظاهر الشخصنة
يتوجب علينا أولاً أن نؤكد على حقيقة بالغة الأهمية في الموضوع الذي نحن بصدده، ألا وهي أن مرض "شخصنة الفكرة" ليس مرتبطًا بحضارة أو بأمة دون أخرى، بل يعاني منه الناس في العالم أجمع ولكن بنسب متفاوتة؛ فالغرب –على سبيل المثال- يعاني من أنه يجعل من نفسه محور الكون ومركزه، وأن الحكمة متجسدة في الرجل الأبيض وحده، وأن أفكاره معيارية بالنسبة لما ينتجه العالم كله من أفكار، بل إن الآخر نفسه لا يعتبر موجودًا إلا إذا (اكتشفه) الغربيون7!
ومن نماذج الشخصنة كذلك ما يتعلق برؤية "اليهود" لأنفسهم على أنهم "شعب الله المختار"، وزعمهم أن الله سبحانه قد فضلهم على العالمين واختارهم ليكونوا أصفياءه من دون خلقه، لا لصفات موضوعية فيهم ولكن لذواتهم، ولهذا فلم يروا إلا أنفسهم وقالوا {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ 8 سَبِيلٌ} (سورة آل عمران: 75) فحرموا الظلم وسوء الخُلق بينهم فقط وأحلّوه مع غيرهم، فربطوا القيم بذواتهم ومصالحهم وكأنهم هم المعيار عليها!.
أما عن عالمنا الإسلامي فعلى الرغم من تميزه عما عداه فإنه يئن هو الآخر تحت وطأة الشخصنة؛ ونورد هنا بعض من المظاهر تمثل أبرز أعراض هذا الداء الدفين الذي لم يسلم منه كثير من المسلمين:
 
1)     الجمود على الموجود وتسييد التقليد:
فالربط بين أخلاق الأولين وتقواهم وبين ما توصلوا إليه من أفكار أحد الأسباب وراء تهيب البعض من مخالفتهم في الأفكار التي انتهوا إليها حتى ولو كان الأولون أنفسهم قد بدلوا فيها في حياتهم ونهوا عن تقليدهم، ولو علم المقلدون والداعون إلى التقليد أن الأفكار ليست وليدة البر والتقوى وحدهما ، ولا التقارب الزمني من عصر النبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل هي نتاج عوامل كثيرة تختلف باختلافها وتتأثر بوجودها، ومنها الظروف والأحوال والأشخاص والأزمنة والأمكنة… إلخ، ولو أدركوا أن الأولين على عظم قدرهم يخطئون ويصيبون لأنهم ليسوا معصومين، لعلموا أن في تقديس أفكارهم وشخصنتها ظلم لأنفسهم بل ولأصحابها لأنهم ما كانوا ليرضون أن توضع أفكارهم في غير الموضع الذي أرادوا، أو أن يتسبب التمحور حولها في فوات تحقيق مصالح المسلمين بعد أن كانوا ينشدون منها تحقيق تلك المصالح في الدنيا والآخرة فيما لا يخالف نصوص الشريعة ومقاصدها 9.
 
وكذلك الأمر بشأن "المفتونين" بالغرب في عالمنا الإسلامي؛ إذ حسبوا أن تقدم الغرب في -العلوم المادية بالأساس- يعني تقدمهم في كافة النواحي بما فيها العلوم الإنسانية والاجتماعية، فاعتبروا أن كل ما يأتي من الغرب معيارًا وحاكمًا على غيره، فاتبعوه شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخل في جحر ضب لدخلوه، ورضوا به مرجعًا وملاذا، وحرموا الاجتهاد في الأفكار الوافدة منه ودعوا إلى تقليده في كل شيء، ووصل الأمر إلى أنهم لا يقنعون بما وصلنا إليه أو ما اعتنقناه من مبادئ إلا إذا اعترف بها الغرب وأقروها، وقد عبر عن هذا أحد أساتذة القانون بقوله: "ومما يجدر ذكره أن بعض النظم التي سبق إليها فقهاء الشريعة عجزت عن إقناعنا بجدواها، فلما ارتدت زيًا غربيًا بهرتنا فاعتنقناها"10!
 
وهذه شخصنة للأفكار، وتقليد أسوأ من سابقه لأنه يعني الاستلاب، والانسلاخ من الذات والتخلي عنه لحساب الآخر {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ} (النور:39). فضلا عن أنهم يشخصنون أفكارًا بشرية -في الغالب- يرد عليها كافة ما يمكن أن يرد على الفكر البشري من نقص وقصور، على عكس المشخصنين على الجانب الآخر الذين يشخصنون أفكارًا في معظمها مستمدة من الوحي المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين أيديه أو من خلفه.
 
2)     تحويل خلافتنا الفكرية إلى معارك شخصية:
فجعل الفكرة مرتبطة بالأشخاص يُحيل الحوار الموضوعي حول الفكرة إلى سجال شخصي قد يتحول إلى معارك شخصية تستخدم فيه أسلحة التدمير الشامل لمعنويات المختلفين! وتكفي نظرة واحدة إلى عدد من البرامج الحوارية في بعض القنوات الفضائية لنعرف مدى ما وصلنا إليه من انحدار في كيفية إدارة الحوار حتى لا يكاد ينتهي الحوار الهادئ إلا وقد تعارك المتحاورون بالأيدي قبل الألسنة.
وقد حدث قريبًا أن اختلف بعض علماء المسلمين ومفكريهم بشكل علني (لأنهم غالبًا ما يختلفون في الأماكن المغلقة بشكل لا يؤثر على علاقاتهم الودية فيما بينهم)، وذلك حول قضية فكرية معينة، فما كان من بعض تلامذة وأتباع هؤلاء وأولئك إلا أن حولوا الاختلاف الفكري الموضوعي إلى خلاف شخصي وهاجم أتباع كل طرف الآخر وأخذ يشكك فيه وفي أغراضه وصوره على أنه عميل لهذه الدولة أو تلك، أو أنه من "المؤلفة قلوبهم"، متناسين أن أولئك العلماء والمفكرين المختلفين أصحاب تاريخ نقي شامخ قضوه في خدمة دينهم وأمتهم، وأنهم حتى لو أخطأوا في موقفهم في تلك القضية فهي زلة العالم أو كبوة الجواد11!
ولو ابتعد الناس عن الشخصنة وناقشوا القضية مناقشة هادئة تركز على موضوع الخلاف وإدارته بما يحقق مصلحة المسمين، لا بما يؤيد رأي هذا العالم أو ذاك المفكر، ما وصلوا إلى هذا الحال من الخصومة والشقاق والطعن في علماء الأمة ومفكريها؛ فهم في أشد الحاجة إلى جهودهم جميعًا في الذب عن دينهم والذود عن الإسلام وقيمه ومبادئه، وتوجيه المسلمين وإرشادهم إلى ما يحقق مصالحهم في الدنيا والآخرة.
 
3)     جعل الفكرة المشخصنة (لا الحكمة المجردة) وكأنها ضالة المؤمن:
فعلى الرغم من أن ديننا الحنيف أمرنا بأن نتبع الحكمة (المجردة) من أي مصدر جاءت: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها" 12، فإننا شخصنَّا هذه الفكرة وجعلناها ضالتنا؛ ففكرة "الإصلاح" –على سبيل المثال-  شخصنّاها، فبتنا ننتظر "المهدي (المنتظر)"، و"صلاح الدين الأيوبي"، و"مجدد القرن"، فانشغلنا بالأشخاص عن القيمة نفسها، وبالأماني عن العمل، وبالتقليد عن الإبداع، وبالقعود والانتظار عن الجهاد، وأصبح الإصلاح المشخصن ضالتنا!.
والأمر نفسه بالنسبة "للفساد" فأصبح هو الآخر ينحصر في شخص الحاكم أيا كان، وظن البعض بأن طريق القضاء على الفساد يكمن في التخلص من الحاكم، فأصبح التخلص منه- أو استبداله- في ظنهم وكأنه ضالة المؤمن! وقد وقع بالفعل أن قام ثلة من هؤلاء باغتيال أحد الحكام للسبب نفسه –وهو الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ففوجئوا أن الفساد من بعده زاد واستشرى، وأن اختزال عوامل الفساد في شخص الحاكم –وحده- كان خطئًا كبيرًا.
 
4)     غيبة الفكر المؤسسي:
فشخصنة الفكر أودت بنا إلى فكر الشخصنة، فأصبحت الشخصنة سمة أساسية ليست في فكرنا وحده بل وفي حياتنا العملية كذلك، فغاب الفكر المؤسسي وتحققت مقولة مالك بن نبي: "إن المؤسسات التي لا تجد سندها في الأفكار تبدو محكومًا عليها بالفناء" 15، وكادت تنعدم مؤسسة الفكر، فماتت أفكار مع موت أصحابها، وتبعثرت جهودنا العلمية والفكرية لعدم وجود مؤسسات تقوم بالرعاية والإشراف عليها، وإذا وجدت المؤسسات تشخصنت قيادتها، وتشخصنت معايير الالتحاق بها حتى بات المُعيَّنون فيها من أهل الثقة والقرابة لا من أهل القدرة والكفاءة والأمانة، وإذا تغير القائد أو المدير تغيرت كل السياسات والأفكار بل وتغير الأشخاص، حتى وصلنا إلى "شخصنة الدولة" نفسها، على حد تعبير أستاذنا المستشار الجليل طارق البشري.
والمؤلم أن الشخصنة طالت بعض المؤسسات الإسلامية، ولهذا قصر عمرها وذهب ريحها، وبات عمر الأفراد أطول من عمرها، مما جعل أحد مفكري الأمة، وهو أستاذنا الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، يعلق –متألمًا- على التهديد بغلق مؤسسة إعلامية إسلامية بأنه شهد حتى الآن بداية ونهاية عدد من المؤسسات الفكرية الإسلامية، مع أن الأصل في المؤسسة أن تكون أطول عمرًا من الأفراد!
 
مخاطر الشخصنة
شخصنة الفكرة تضعف الفكرة نفسها وتعيق الوصول للحق والحقيقة، وتضعف المشُخِّصِين، وذلك على التفصيل الآتي:
 
أ. بخصوص إضعاف الفكرة فلم يكن مالك بن نبي16  مبالغًا حين ذكر -في كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة)- الفارق بين الفكرة "المجسدة" و"الفكرة المجردة" وأكد ضعف الأولى وهوانها إلى أن تتجرد، وقوة الثانية طالما لم "تتشخصن"، فأشار إلى أن الاستعمار [وشقيقه: الاستبداد] يسهل عليه القضاء على الفكرة المجسدة عن طريق استعمال القوة ضد صاحبها أو إغوائه، على عكس الفكرة المجردة التي يجد صعوبة هائلة في القضاء عليها، فيحاول شخصنتها من جديد حتى يتمكن من التخلص منها أو تشويهها.
والشخصنة تعوق إثراء الفكرة في جو طبيعي تتلاقح فيه الأفكار وتتبادل فيه الآراء، كما تحجب عنها الاجتهاد الموضوعي الذي يطرحها طرحًا يركز على المحتوى والمضمون، فتقع في أسر الشكلية والتقليد الذي يجمدها أو يبتعد بها عن مقاصدها أو قيمها مما يؤدي بها إلى أن تمسي أفكارًا "ميتة" لا حياة فيها، أو تبقى شعارًا تنطق به الألسنة دون أن تغوص في القلب أو تُصدَّق في الواقع، وإن غاصت أو صُدِّقَت فإنها تكون كالقطار الذي ينطلق بسرعة ولكن بعيدًا عن قضبانه أو عن هدفه الذي يرنو إليه فينطلق إلى حتفه.
كما أن تقديس الفكرة قد يخفي ما في بعض جوانبها من عوار يقتضي التعديل والإصلاح، وقد يؤدي بخسها حقها -المبني على شخصنتها- إلى قتلها في مهدها قبل أن تأخذ ما تستحق من الدراسة والتمحيص، فقد تكون فكرة طيبة كشجرة طيبة قد تؤتي أكلها كل حين لولا التسرع في هدمها لاعتبارات شخصية بحتة.
 
ب- وأما بخصوص المشُخِّصِين فإنهم ينقسمون إلى طائفتين:
الطائفة الأولى: وهم الذين تتجسد فيهم الفكرة وتتمحور حولهم، وهؤلاء بدورهم يختلف وضعهم بحسب ما كان التمحور حول الفكرة بالتقديس أم بالتبخيس:
 
أولاً: الشخصنة بالتقديس: فالذين تتمحور حولهم الفكرة قد ينخدعون ويظنون أنهم طالما أبدعوا الفكرة أو لفتوا النظر إليها باتوا أوصياء عليها فيصبح من يعبر عن رؤية أو وجهة نظر مخالفة معتديا طاعنا في كرامتهم متطاولا عليهم فينافحون ويفتخرون ويوجهون تلاميذهم فيحتشدون، فيظلمون المخالف الذي ما أراد إلا الوصول إلى الحق، ويظلمون تلاميذهم بجعلهم يجاهدون في المعركة الخطأ، ويظلمون أنفسهم بالكبر الخفي أو تضخيم الذات على حساب الموضوع، أو بالاستسلام للمدح والثناء على حساب تقبل النقد البناء!
 
ثانيًا: الشخصنة بالتبخيس: وعلى العكس ممن تجسدت فيهم الفكرة بالمدح والتقديس والثناء يكون حال من تم شخصنة الفكرة فيهم بالقدح والتبخيس، فقد تضعف ثقتهم بأنفسهم وبأفكارهم فيتخلوا عنها على الرغم من أنها قد تكون صحيحة نافعة فاعلة ناجعة، ولكن المقاومة الشديدة لأفكارهم والنقد الهدام لها يؤثر عليهم بالسلب. كما وأنهم قد لا يجرؤن -أصلاً- على الإعلان عن أفكارهم لكونها أفكارًا تجديدية قد يفقدهم الإفصاح عنها احترام الناس لهم، ويؤدي إلى التشكيك فيهم وفي دينهم! فيؤثرون السلامة –حسب ظنهم- ويكتفون بكتمانها في الصدور لتموت معهم، ويتناسون قوله تعالى {وَتُخْفِي فِي نَفْ

المزيد