تمتع جمال عبدالناصر بشعبية كبيرة بين منتصف الخمسينيات ومنتصف الستينيات. بل بدا وكأن الشعب على استعداد لأن يغفر له الهزيمة العسكرية فى 1967 رغم فداحتها، فخرج الناس على بكرة أبيهم يشيعونه عند وفاته فى سبتمبر 1970، فى جنازة مهيبة وبكاه الكبار والصغار.
لم يكن سبب هذه الشعبية الكاسحة أن عبدالناصر كان حاكما ديمقراطيا، فقد كان العكس بالضبط هو الصحيح. أحبه الناس رغم ديكتاتوريته بسبب إنجازاته العظيمة فى مجال التنمية الاقتصادية (وعلى الأخص فى التصنيع وبناء السد العالى)، وبما حققه من خطوات عظيمة نحو تحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية، وكذلك بسبب مقاومته البطولية للاستعمار، والتى تمثلت فى انضمامه إلى حركة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز، ثم فى تأميم قناة السويس ومقاومة العدوان البريطانى والفرنسى والإسرائيلى فى 1956، ومن ثم التخلص النهائى من الاحتلال الإنجليزى، وتأييده لحركات التحرر من الاستعمار فى العالم العربى وخارجه.
لم يتمتع شخص آخر بمثل هذه الشعبية فى مصر، طوال السبعين عاما الأخيرة من القرن العشرين إلا مصطفى النحاس. كان النحاس من نوع مختلف تماما من الناس، ومع ذلك عشقه المصريون عشقا، ولم تستطع ثورة 1952، رغم كل جهودها لمحو التاريخ السابق عليها من أذهان الناس، استئصال شعبية النحاس. فلما مات فى 1965، شيعته الآلاف المؤلفة من المصريين فى حزن حقيقى مثلما شيعوا عبدالناصر بعده بخمس سنوات.
كان مصطفى النحاس يؤمن بالديمقراطية إيمانا عميقا، ويمارسها بإخلاص، ولم يحاول استغلال شعبيته فى فرض رأيه على من حوله. ولكن الديمقراطية لم تكن هى السبب الأساسى لحب الناس له. وإنما يرجع هذا الحب قبل كل شىء إلى نضاله المستمر ضد الاستعمار، وتحمله كل ما فرضه عليه هذا النضال من تضحيات. وكان آخر عمل فى هذا المجال إلغاءه فى سنة 1951، بالإرادة المنفردة لمصر، لمعاهدة 1936، التى كانت تكرس الاحتلال الإنجليزى لمصر، ودعمه للفدائيين المصريين الذين ذهبوا لمقاتلة الإنجليز على طول قناة السويس.
كان النضال من أجل الاستقلال إذن، فى حالة النحاس كما فى حالة عبدالناصر، هو السبب الأساسى لما حققه الاثنان من شعبية، وكان دعم عبدالناصر لحركات الاستقلال فى بقية العالم العربى هو الذى جلب له هذه الشعبية مع جميع الدول العربية، على الرغم مما أبداه عبدالناصر من لا مبالاة إزاء قضية الديمقراطية السياسية.
لماذا إذن يبدو وكأننا فى غمار حماسنا للديمقراطية السياسية، منذ قيام ثورة 25 يناير 2011، قد نسينا موضوع الاستقلال؟ نعم كان حرماننا من الحرية السياسية فى عهد حسنى مبارك، وتكرار تزوير الانتخابات، وفرض حكومات مكروهة من الناس، الواحدة بعد الأخرى، من أهم دواعى الشكوى من ذلك العهد والعمل على إسقاطه، ولكن ألم يكن أيضا من الأسباب الأساسية للشكوى تبعيته المطلقة للإرادة الأمريكية، وتخاذله أمام أعمال الإسرائيليين؟ ألم يكن الاستقلال أيضا مطلبا أساسيا من مطالب المعارضين لحكم مبارك، سواء فى مواجهة الولايات المتحدة أو فى مواجهة إسرائيل؟ نعم، لا شك فى ذلك. فلماذا إذن اكتسح موضوع الديمقراطية السياسية كل الموضوعات الأخرى، بما فى ذلك التخلص من التبعية، فلم يعد هناك كلام إلا عن الانتخابات والاستفتاءات، وطريقة تجنب التزوير فيها والتلاعب بنتائجها، وما إذا كان وضع الدستور يأتى قبل أو بعد الانتخابات.. إلخ، وكأن مصر بمجرد قيام ثورة يناير قد أصبحت فجأة دولة حرة مستقلة وذات سيادة؟
عندما لا يكون الحديث عن الديمقراطية والانتخابات، يكون حول قضايا داخلية بحتة: كالجدل حول ما إذا كانت الدولة المدنية أفضل أم الدينية… إلخ.
كما نلاحظ أنه، منذ سقوط حسنى مبارك، لم يرد تصحيح السياسة الخارجية فى أى تصريح صادر من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولا جاء على لسان أى من رؤساء الوزراء الثلاثة الذين تعاقبوا منذ سقوط الرئيس السابق: أحمد شفيق أو عصام شرف أو كمال الجنزورى. نلاحظ أيضا التأخر الملحوظ فى تغيير وزير الخارجية الأسبق (أحمد أبوالغيط) الذى كان يمارس سياسة التبعية بانضباط تام فى ظل الن














