Yahoo!


الغنوشى الذى فرحوا به…. بلال فضل

نوفمبر 13th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , الغنوشى, بلال فضل, سياسى, فكرى

للأسف، بعض المنتمين إلى التيار الإسلامى أو المحبين له يظنون أنه فريق كرة يتوجب تشجيعه «عميانى»، وكراهية كل من ينتقده دون تبين أو تمييز، والأدهى أنهم يخلطون بين التيار الإسلامى وبين الدين الإسلامى، فيعتبرون أن كل من عارض الإسلاميين يعارض الإسلام ويحاربه، ويمنحون لمشايخهم قداسة وحصانة من النقد لم يعطها الإسلام لأحد، وكلما خالفهم أحد استسهلوا اتهامه بأنه علمانى كافر ملحد وما إلى ذلك من توصيفات تريحهم من مهام كثيرة شاقة على النفس هى الحوار واكتساب المعرفة وقبول الاختلاف، وهو ما ستجده أيضا لدى كثير من معارضى الإسلاميين الذين يستسهلون بدورهم الإقصاء والتصنيف ووضع الإسلاميين جميعا فى سلة واحدة، ووصفهم بالتخلف والتطرف دون تبصر أو تمييز، وهى مشكلات سنظل نعانى منها لفترة طويلة حتى نتخلص من تأثير التعليم أحادى النظرة الذى قتل فينا العقل النقدى والقدرة على تكوين الآراء المركبة، وجعلنا جميعا نميل إلى الاستسهال وإصدار الأحكام عمال على بطال.

ستجد ذلك جليا عندما تتبين كيف تعامل كثير من المنتمين إلى تيارات مختلفة لدينا مع فوز حزب النهضة الإسلامى الكاسح فى الانتخابات التونسية، بعض من يصفون أنفسهم بأنهم علمانيون أو ليبراليون أو يساريون اعتبروا أن ما حدث مصيبة حلت بتونس دون أن يعرفوا شيئا عن الحزب أو يقرؤوا أدبيات زعيمه راشد الغنوشى، وأغلب من يصفون أنفسهم بأنهم إسلاميون اعتبروا أن ما حدث يشكل فرصة لمكايدة مخالفيهم فى الرأى، بعضهم أرسل يقول لى «بالتأكيد أنت تعيش الآن أسوأ أيامك»، وأصابتهم دهشة عندما قلت لهم إننى على العكس سعيد لأن الغنوشى نال أخيرا فرصة لكى يختبر قدرته على تحقيق أحلامه لتونس، وأننى أقدره وأعتبره مناضلا إنسانيا من طراز رفيع مهما اختلفت مع بعض أفكاره، واندهشوا عندما علموا أننى كتبت عنه ثلاث مقالات فى «المصرى اليوم» فور اندلاع ثورة تونس، تمنيت فيها أن أراه وقد عاد أخير

المزيد


الغنوشي: لماذا يتخوّف الإسلاميون من الحكم وكأنّه مصيبة؟

سبتمبر 6th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , اجتماعى, اخوان, الغنوشى, ثورة التحرير, حوارات, سياسى, فكرى

"إسلام أون لاين"يحاور زعيم حركة النهضة التونسية
الغنوشي: لماذا يتخوّف الإسلاميون من الحكم وكأنّه مصيبة؟
علي بوراوي

إسلام أون لاين - تونس
دعا المفكر الإسلامي ورئيس حركة النّهضة الشيخ راشد الغنوشي الحركات الإسلامية إلى أن تتحمّل مسؤوليتها وتقود شعوبها، وألاّ تخشى من الحكم، وأن تتهيّأ إلى الانتقال من مرحلة الدّعوة إلى مرحلة الدولة، وأن تقدّم بركات الإسلام، وتجسّد عدل الإسلام في الحكم. 

واعتبر رئيس حركة النّهضة التونسية، أنّ المبالغة في التخوف من الغرب نوع من الشرك، ودعا إلى التخلّي عن فكرة "ما يريد الغرب هو الذي يكون" وقال إنّ ما يريد الله، ثم ما تريد شعوبنا هو الذي يكون، مستشهدا بسقوط كلّ من نظامي بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، رغم ما كانا يمثّلانه في الإستراتيجية الغربية، وما كانا يلقيانه من دعم خارجي.

 

وتحدّث الشيخ راشد الغنوشي عن الوضع في تونس، ومخاوفه على الثورة، ورؤيته لأولويات حركة النّهضة، والحركة الإسلامية عموما في هذه المرحلة، وقال إنّ أولوية النهضة الآن وطنية وليست حزبية، تتمثّل في انتخاب مجلس تأسيسي وإقامة حكومة ائتلافية منتخبة، ومشروع تنموي يشرّف البلاد. 
كما تحدّث عن التيار السلفي في تونس، وقال إنّ شبابه أبناؤنا، وجدوا فراغا دينيا في تونس، وغيابا للمرجعيات الإسلامية في البلاد، بفعل قوّة قاهرة غيّبت حركة النّهضة، فتأثّر تديّنهم بأجواء تجريم التديّن، مؤكدا أن الإسلام أكبر من أن يستوعبه حزب. 
وحمل الشيخ راشد على العلمانيين الذين يحاربون الإسلام في تونس، وقال إنهم يخشون الديمقراطية والانتخابات، لأنها تكشف حقيقتهم. وعبّر عن خشيته من أن تدفع تونس ثمنا باهظا لتحقيق أهداف ثورتها "لأن هناك قوى مستعدّة لأن تحرق البلاد من أجل أن تحافظ على مواقع نفوذها". لكنه أكّد أنّ الثورة ستبلغ مداها وتحقّق غايتها لا محالة.
نص الحوار
 
- قلت في بعض خطبك "ما أجمل تونس بدون بن علي" فهل ما زالت تونس جميلة؟
 
-بدون شك تبقى تونس جميلة ما بقيت راية الحرية فيها مرفوعة، وما دام الشعب التونسي قد فكّ قيود الدكتاتورية، وفكّ عن رقبته شبكتها، وهو اليوم يمارس اليوم حريته، وينزل إلى الشّارع متى شاء، ويطرد أي مسؤول لا يريده، سواء كان واليا أو وزيرا. فتونس الآن في أشدّ حالات وعيها بالحرية، واستعدادها للنضال من أجلها، والتصدي لأعدائها. 
الاستبداد عدو النهضة
 
- كيف ترى واقع الإسلاميين في تونس الحرية؟ وما هي أهم التحديات التي تواجههم؟
 
-  إذا كانت قيمة الحرية تمثل معنى وجوديا بالنسبة للمسلم، وشرطا في كونه مسلما، إذ إنّ الحرية كالعقل، شرط في الإسلام، فلا إسلام للمكره ولا إسلام للمجنون. الحرية طريق ضروري للإسلام. فالإسلاميّ لا يمكن إلاّ أن يكون سعيدا بالحرية، ولا يمكن إلاّ أن يكون عاملا مجاهدا من أجل إقامتها ومن أجل حمايتها ومن أجل استعادتها إذا فقدت.
 
والحرية مقصد عظيم من مقاصد شريعتنا، ولا يمكن للمسلم أن يتم له الإسلام بدون حرية، ولا يمكن للإسلام أن يزدهر بدون حرية. لذلك فالحرية معنى يشرح الإسلام. الإسلام حرية، والاستبداد والدكتاتورية أعداء الإسلام ونقيضه. وقد ظلّ الرسول عليه الصّلاة والسلام يدعو الناس في مكة المكرّمة إلى الإسلام، ولمّا رفضوا دعاهم إلى خيار آخر، أن يخلّوا بينه وبين النّاس، وأن يجعلوا من مكّة فضاء حرّا، يتمتّع فيه الجميع بالحق في اختيار ما يريد من عقائد وأفكار وممارستها، ولكنّ قومه رفضوا. 
ولم يكن صدفة أن الله سبحانه اختار من بلاد العالم بلاد الحجاز لتكون منطلقا للإسلام، رغم ما فيها من مفاسد ووثنيات ومنكرات. ولكن بلاد الحجاز كانت خالية من الاستبداد. لم تكن فيها دولة قاهرة. الإسلام نشأ حرّا في أرض حرّة، وظلّ يزدهر أبدا بقدر ما يتوفّر له من حرية، وينكمش ويذوى بقدر ما ينتشر من استبداد. 
المشروع الإسلامي في تونس أوقفه الاستبداد سنة 1991، بقوّة قاهرة، بعد أن أثبتت الحركة الإسلامية أنّ الشعب ملتفّ حولها في انتخابات سنة 1989، وأعطاها ولاء عارما فاق كلّ توقّع. فتدخّلت قوّة رهيبة مدعومة بنظام دولي، لإيقاف تحوّل الشعب التونسي من حزب الدستور إلى النّهضة، وظلّ ذلك المدّ منحسرا بذلك السّدّ، وعاشت البلاد أسوأ مرحلة في تاريخها، وسجن أكثر من ثلاثين ألفا من أبناء الحركة الإسلامية، مئات منهم بين جريح وقتيل ومشرّد، وتوقّفت السياسة حتى قال الناس ماتت السياسة في تونس، ومات الفنّ، وقدّم ذلك على أنّه الثمن الضروري للازدهار الاقتصادي، ولكن تبيّن في النهاية أنه في غياب الحرية، لا فكر ولا ثقافة ولا تنمية، ولذلك قامت الثورة على الاستبداد. 
وبمجرّد ما سقط هذا السّدّ، حتى عادت المياه إلى مجاريها وعاد الشعب التونسي يعبّر عمّا كتمه طويلا أو اضطر إلى أن يتوارى به في القلوب. أفصح الشعب التونسي عمّا في قلبه من محبّة لهذا الدين ولأهله، واليوم لا أحد يشكّ أن الحركة الإسلامية هي القوة الأساسية التي لا منافس حقيقيّ لها في الساحة. وما ذلك إلاّ بفضل الله، ثم بفضل الحرية التي انتزعها شباب تونس بدمائه الزكية، وانطلقت القوى الإسلامية حرة طليقة ترمّم بناءها وتضمّد جراحاتها وتستعيد مواقعها. 
فزاعة النهضة
 
-هذه الحرية التي انتزعها التونسيون بدمائهم وجهودهم وجهادهم، مكّنت للإسلاميين وأظهرت حضورهم ودرجة تعاطف الناس مع مشروعهم، لكن غلاة العلمانيين لم يخفوا تضايقهم من هذه الأجواء، فظلّوا يكيدون للحرية كيدهم للإسلام والإسلاميين.
 
- هذا أمر مفهوم، فسنّة التدافع لم تتعطّل، بل إن الحرية تحرّك سنن التدافع، لكن الفرق بين حالنا اليوم وحالنا زمن الدكتاتورية، أنّ هذه القوى العلمانية كانت تعمل وحدها في تونس. كانت قد انفردت بالنّاس، وظنّت أنّ الأمر قد استتبّ لها نهائيا. لكن سقوط حاميها بن علي، جعلها تشعر بتوتّر شديد. وكانت قد حسبت أنّ الإسلام قد قضى نحبه، وأنّ الحركة الإسلامية توارت إلى البد، فإذا بالحركة الإسلامية تعود قوية في عنفوانها. 
هؤلاء استنفروا كلّ طاقات العداوة، والتعبئة ضدّ الحركة الإسلامية، مستغلّين مواقعهم في الإعلام وهم نافذون فيه، وكذلك مواقعهم في الإدارة، وهم اليوم في حالة هلع من عودة الإسلام الذي حسبوا أنّه قضى نحبه إلى الأبد. هم يدركون بوضوح أنّهم غير قادرين على منافسة شريفة مع الحركة الإسلامية، لذلك تجدهم يلتجئون إلى أساليب شيطانية. يلتجئون إلى أساليب الكيد والتحريض واستعمال الفزّاعة الإسلامية. يخوّفون النساء من الإسلام والإسلاميين، يخوّفون السواح ورجال الأعمال ورجال الفنّ. يقدّمون الإسلاميين على أنّهم غول داهم على مكاسب الحداثة لمصادرتها، وكأنّ هؤلاء حداثيّون فعلا. 
بينما جوهر الحداثة هو العقل والحرية، ومواقف هؤلاء لا عقل فيها ولا حرية، ولكن فيها غرائز وشهوات. فيها دفاع محموم عن مكاسب حصلوا عليها في غيبة الناس. أموال نهبوها ومواقع احتلّوها. الآن هم يشعرون أنّهم غير مؤهّلين لمنافسة نزيهة حرّة مع الحركة الإسلامية، لذلك يستعملون الفزّاعات الخارجية. يخوّفون الغرب وكلّ من يظنون أنّ مصلحته تتناقض مع مصلحة الإسلام. ولكن سقط الخوف من قلوب الناس، ولم تبق إلاّ حقائق الأشياء، لم يبق اليوم من سبيل للحكم إلاّ عبر تفويض الشعب. الشعب اليوم استعاد سلطته ولن يقبل بوصاية جديدة لا باسم الحداثة ولا باسم الإسلام ولا بأيّ اسم آخر، فالشعب استعاد حرّيته بثمن غال وليس مستعدا لأن يقبل بوصاية تحت أيّ عنوان. 
-  أعداء للحرية لا يتردّدون في استعمال أية وسيلة للكيد، من استفزاز ومؤامرات، وتوجيه تهم باطلة. كيف ترى الطريق الأنسب للحركة الإسلامية للتعامل معهم وتفويت فرصة نشر الفوضى عليهم؟ 
-  لن يفرّطوا في استخدام أيّة وسيلة من أجل المحافظة على منافعهم ومصالحهم التي انتزعت من خلال تواطئهم مع مافيا بن علي التي حكمت البلاد. معظم هؤلاء تواطؤوا بشكل أو بآخر مع النظام المنحل، ويستخدمون الآن في وسائل الإعلام فزّاعات إسلامية. أنصار حزب التجمع المنحل، الذي تشكّل في أحزاب كثيرة، يستخدمون الآن البلطجة، ويقطعون الطرقات والمياه عن السكان والمصانع، ويثيرون أصنافا من الشّغب، حتى في المساجد، من أجل تخويف التونسيين من الحرية، وإعطاء رسالة مفادها أنّ الحرية لا تصلح للتونسيين وهم لا يصلحون لها، وأنّ السبيل الوحيد للاستقرار، هو نظام بوليسي كالذي كان في تونس. 
يمكن التصدّي لهؤلاء بنشر الوعي بين الناس وفضح هؤلاء على الملأ وبطريقة موضوعية عقلانية، لأنّ الشعب لن يقبل عودة الاستبداد في أيّ صورة من الصّور. أنا ما كنت من أنصار حلّ الحزب الحاكم، لو بقي باسمه المعروف، ليواجه الشعب التونسي والجرائم التي ارتكبها ومناشداته للطاغية، لو كان الأمر كذلك، ما أتوقّع وجها واحدا من وجوه الحزب المنحلّ يمكن أن يحصل على نيابة في البرلمان. فالناس كرهوا هؤلاء ولا يمكن أن يثقوا فيهم مرّة أخرى. 
الآن هؤلاء عائدون بعناوين أخرى، متنكّرين، ولكن يجب تعريتهم أمام الناس وفضحهم، فنحن في زمن المعلومات. الآن معظم المسؤولين في مختلف أجهزة الدولة من أرشيف الحزب المنحلّ. وكلّما اكتشف الشباب واحدا من هؤلاء وطردوه، أتى لهم بآخرين، وبلغ الأمر إلى حدّ توزير من كان مندوبا لنظام بن علي في الكيان الصهيوني،

المزيد


نرفض العنف سبيلا للوصول للسلطة ومقتنعون بالخيار الديمقراطي

يناير 16th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , الغنوشى, حوارات, سياسى, فكرى

الشيخ راشد الغنوشي في حواره حول الحركة الإسلامية في تونس

 نرفض العنف سبيلا للوصول للسلطة ومقتنعون بالخيار الديمقراطي

 
يترافق نشر هذا الحوار مع الشيخ راشد الغنوشي-زعيم حركة النهضة الإسلامية التونسية المعارضة- مع الأحداث التي تشهدها تونس من موجات سخط وغضب جماهيري بسبب سوء الأحوال المعيشية، ورغم أن الحوار تم إعداد قبل تلك الأحداث، لكنه يلقي الضوء على جزء من تاريخ الحركة الإسلامية التونسية وعلاقتها بالنظام التونسي، والمنطلقات الفكرية للحركة.
 والحركة الإسلامية التونسية من أوائل الحركات الإسلامية التي انفتحت على الأفكار والأيديولوجيات التي كانت تنتشر في المنطقة العربية؛ لذا جاء طروحاتها تعبر عن إنتاج مبكر حول قضايا الحريات والاقتصاد، وكان كتاب الشيخ راشد الغنوشي حول الحريات في الدولة الإسلامية من بواكير الانفتاح الإسلامي الجماعاتي على مسألة الحرية.
 
وفي هذا الحوار يتحدث الشيخ الغنوشي عن خصائص الحركة الإسلامية التونسية، ومنطلقاتها الفكرية، وموقفها من قضايا العنف والتعددية السياسية، حيث يؤكد أن رؤية حركته للتعددية ذات سقف عال وتعترف بأحقية الأحزاب التي تختلف معها ايدولوجيا في المنافسة على السلطة طالما احترمت قواعد اللعبة الديمقراطية.
 
* إذا اتفقنا أن لكل حركة إسلامية في العالم العربي خصائصها وسماتها الخاصة بها، فهل يمكن أن نتحدث عن خصائص الحركة الإسلامية في تونس ؟
 
** خلافاً لما كان عليه الأمر منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي عندما أقدمت حركة الاتجاه الإسلامي على الإعلان عن نفسها حركة إسلامية ديمقراطية تتبنى تعددية كاملة وترفض العنف سبيلاً للسلطة أو للبقاء فيها وتدافع عن حقوق للمواطنة متساوية؛ بما في ذلك حقوق المرأة والأحزاب العقدية المخالفة،ولم يكن ذلك يعبر عن الثقافة الإسلامية السائدة بل كان أقرب إلى مصادمتها. خلافاً لذلك لم يعد اليوم للحركة الإسلامية في تونس ممثلة في جسمها الرئيسي «النهضة» كثير مما يميزها عن التيار الأساسي للحركة الإسلامية، وذلك بعد أن اطمأن هذا المجرى الرئيس للحركة الإسلامية في أرجاء العالم إلى الخيار الديمقراطي بما هو تصور للدولة الحديثة يتأسس على مبدأ المواطنة وسلطة الشعب وتداول السلطة عبر انتخابات تعددية دورية وتوزيع السلطات واستقلال القضاء ورفض العنف نهجاً في الوصول للسلطة وإدارتها، وتمكين المرأة والأقليات من حقوق المواطنة بالتساوي.
 
لقد اقتنع عموم التيار الإسلامي التونسي بالخيار الديمقراطي مدفوعاً بنضج قناعاته، وبضغوط الواقع، وثمرة لتجارب مريرة في مواجهة الاستبداد، وحتى التجارب الإسلامية التي اعتمدت سبيل الثورة المسلحة مثل التجربة الأفغانية أو سبيل الانقلاب مثل التجربة السودانية جاءت مزهدة في هذا النهج شاهدة لخيار السلم والديمقراطية سبيلاً للوصول إلى الأهداف ولو بالتدرج بديلاً عن سبيل العنف والمغامرة.
 
ولقد مثّل تبني الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية لهذا النهج أكبر انتصار للخيار الديمقراطي في الوسط الإسلامي وفي جملة المنطقة، وهو ما جعل تجربة المشاركة في الانتخابات وحتى في السلطة التنفيذية والتعويل على تطوير المجتمع المدني عبر النقابات والجمعيات الخيرية والحقوقية والمدارس، وكذا ممارسة الضغط عبر حركة الشارع والإضرابات والاعتصامات والعرائض وإقامة التحالفات حتى مع الخصوم السياسيين والعقديين، تصبح أكثر إغراء للتيار الإسلامي من مناهج العنف والانقلاب.
 
ولأن سلوك المسلم فرداً وجماعة يجب أن يكون تعبيراً عن تصوراته العقدية منبثقاً عنها بضرب من ضروب الاجتهاد فقد أخذت تصدر عن الإخوان منذ أواسط التسعينيات جملة من الوثائق الهامة داعمة لهذا التوجه الديمقراطي، منها وثيقة التعددية السياسية، ووثيقة المشاركة السياسية للمرأة بعدِّها حقاً من حقوقها، ووثيقة رفض خيار العنف سبيلاً للسلطة ووثيقة المشاركة السياسية في حكم غير إسلامي، أصدرتها جماعة الإخوان المسلمين ولاقت قبولاً واسعاً في الشارع الإسلامي وترحيباً من قبل التيار العلماني المعتدل العروبي واليساري واللبرالي.
 
* كيف كان رد الفعل محلياً على النهج الذي تبنته الحركة الإسلامية في تونس؟
 
** لم يكن النهج الذي تبنته الحركة الإسلامية في تونس في بداية الثمانينيات محل رضا بل استنكار يغدو في بحر العقد اللاحق خياراً لعموم التيار الإسلامي، وربما الذي ظل يمثل شيئاً من الخصوصية للتيار الإسلامي «النهضوي»:
 
أ- المكانة المتميزة التي تحتلها المسألة الديمقراطية وقضايا الحرية عموماً في خطاب النهضة.
 
ب- اعتبار الحرية المدخل الرئيسي لكل إصلاح وأولوية الأولويات حتى بالنسبة إلى مسألةِ تطبيق الشريعة، وهو ما صرح به كبير علماء الإسلام المعاصرين العلامة الشيخ القرضاوي وأنكر عليه الصياغة -على الأقل- مرشد الإخوان الأسبق المرحوم مأمون الهضيبي، بينما النهضة مضت في هذا الخيار إلى نهايته منذ بداية الثمانينيات، فلم ترفع ضمن مطالبها السياسية مطلب تطبيق الشريعة وإقامة «دولة إسلامية» وذلك تأسيساً على أولوية الحرية مدخلاً عاماً للإصلاح، واستعادة الكرامة السليبة للمواطن والسيادة للشعب حتى إذا تحقق ذلك وامتلك الشعب حق تقرير المصير- وقد يحتاج لعقود أخرى من الجهاد السلمي - كان لكل التيارات بمنأى عن كل إكراه أن يطور مشروعه من خلال الحوار مع الناس، ومع الأطروحات الأخرى،وأن يصار إلى الاحتكام لسلطة الرأي العام على أساس حقوق متساوية للإنسان وللمواطن ومبادئ الديمقراطية ودولة القانون.
 
جـ- يقتضي كل ذلك رفض كل مسوغ لاحتكار سلطة الحكم وسلطة الفكر والتعبير، وكلِّ دعوى لاحتكار الحقيقة وإقصاء الرأي المخالف أو التأسيس لأي امتياز، وإنما مساواة تامة أمام القانون حقوقاً وواجبات، بما لا يدع مجالاً لمصادرة الرأي المخالف وحرمان حَمَلَتِهِ من حق التعبير عنه والدعوة إليه وتجميع الناس حوله وترشيحه للحكم دون أدنى تمييز وذلك ما التزم كغيره بأخلاقيات الحوار ومقتضيات التعايش السلمي بمنأى من إغراءات العنف.
 
*كيف كانت مواقفكم وعلاقتكم مع الأحزاب العلمانية المتواجدة في الساحة التونسية ؟
 
** إن المنطلقات التي تم تبنيها دفعتنا إلى المناداة بتعددية كاملة لا تستثني ولا تقصي صاحب فكرة مهما كانت مصادمة لتصوراتنا العقدية مثل الأيديولوجية الشيوعية.
 
 
ولقد كان جوابنا صريحاً خلال الندوة الصحفية التي أعلنا فيها يوم6 -6-1981 عن حركة الاتجاه الإسلامي، عندما سئلنا عما سيكون موقفنا لو أن شعب تونس اختار في انتخابات حرة الحزب الشيوعي بأغلبية؟ لم نتلعثم في الجواب: «ليس أمامنا إلا أن نحترم خيار الشعب، ما احترم الفائز قانون اللعبة». رغم أننا نستبعد هذه الفرضية التي لم تحصل قط في بلد إسلامي، ونادراً جداً ما حصلت في غيره، ولو أنها حصلت لكان حرياً بالإسلاميين أن ينحوا باللائمة على أنفسهم ويراجعوا برامجهم ويجددوا من أساليبهم.
ذلك خيارنا، بينما عموم التيار الإسلامي لئن كان يمارس في الواقع العمل ضمن تعددية مفتوحة على الجماعات العلمانية ويتعاون معها ويطالبها بالاعتراف بشرعيته ويتداول وإياها إدارة النقابات مثلاً ويعايشها في البرلمانات وحتى في السلطة التنفيذية إلا أنه يغلب عليه الإحجام عن التنظير لهذا الواقع التعددي الذي يبدو دخيلاً على تجربتنا التاريخية حيث كان الإسلام يؤطر كل شيء، رغم أن لتجربتنا التاريخية ما تزهو به في التعايش بين المختلفين ضمن مجتمعات مفتوحة لكل ضروب التعدد العرقي والديني والسياسي حتى إنَّ مما يفخر به تاريخنا الحضاري خلوه من تجارب التطهير العرقي والإبادة الدينية، فكانت «الذمة» - وهي صيغة متقدمة للمواطنة في العهود القديمة -

المزيد


الغنوشي: الحرية أكبر مطالب الإسلام السياسي (3-5)

ديسمبر 31st, 2010 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , الغنوشى, حوارات, سياسى, فكرى

في حواره مع إسلام أون لاين راشد الغنوشي (3-5)

الغنوشي: الحرية أكبر مطالب الإسلام السياسي
 أجرى الحوار: وحيد تاجــــا
    يتحدث المفكر الإسلامي وزعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في هذه الحلقة من حواره الشامل مع إسلام أون لاين عن التجارب الإسلامية التي وصلت إلى سدة الحكم، فيستعرض التجربة السودانية معتبراً أنها فشلت فشلاً ذريعًا، كما تحدث عن التجربة الأفغانية في عهد المجاهدين وخلال حكم حركة طالبان.
 وتوقف طويلا عند التجربة التركية معتبرا أنها الأفضل بين التجارب الإسلامية الحديثة.
 كما تطرق الحديث مع المفكر الإسلامي التونسي إلى الإسلام السياسي ومدى تعارضه مع الإسلام التقليدي، وإلى جدوى مؤتمرات حوار الأديان التي تنظم في السنوات الأخيرة.
 نص الحوار
 التجربة الأفغانية
 * حدثنا عن رؤيتك لممارسة الإسلاميين على صعيد الحكم؛ سواء في تركيا أو في غيرها من البلدان التي تولت فيها الحركات الإسلامية تسيير شؤون البلاد ؟
 ** هناك ثلاث تجارب يمكن الإشارة إليها على صعيد ممارسة الإسلاميين الحكم، أولها التجربة
الأفغانية - إن في عهد المجاهدين أو في عهد طالبان - ورغم ظروفها الخاصة فهي في العموم شهادة ليست بحال لأصحابها ولا للإسلام، وإنما شهادة مضادة وخصم من الحركة الإسلامية المعاصرة وليست بحال إضافة. والأسباب ليست بالغة الخفاء وتتمثل أساساً - إضافة إلى المعوقات الخارجية- في طبيعة الساحة التي تحرك فيها الإسلام هناك، وهي ساحة تتسم بالتمزق القبلي والطائفي والتخلف الاجتماعي والثقافي ولم تكن التشكيلات الحزبية التي حكمت في المحصلة غير نتاج لطبيعة التخلف السائدة، فالمجاهدون انحاز كل منهم للعرق والقبيلة.
 فقلب الدين حكمتيار ناصر الباشتون، وشاه مسعود رحمه الله مالَ للطاجيك، فكانت حرباً قبلية تغذيها القوى الدولية والإقليمية. الباكستان وراء حكمتيار؛ والهند وروسيا وراء شاه مسعود والشعب الأفغاني هو الضحية، فكانت إسلامية الفريقين غاية في القشرية.
 واستُخدم الإسلام استخداماً توظيفياً، وأثبتا عجزاً فاضحاً في مستوى التدين وكذا في مستوى السياسة الحديثة، إذ راهن كل منهما على الانفراد بالأمر جملة في مجتمع متعدد الأعراق والملل.
 لقد شهدا على عقم موروثنا في السياسة الإسلامية، وأثبتا العجز عن إدارة التعدد سلمياً والرهان على السيف سبيلاً لإلغاء التعدد، وكان من عدل الله أن يسلط عليهما قوة تزيحهما معاً، عندما جاءت جماعة طالبان التي كانت عقائديتها أعمق منهما، وكذا تفاعلها مع تراث البلد الديني.
 فهم طلبة علوم دينية أي هم القيادة الدينية الشرعية في البلد؛ ولذلك سهل عليهم اجتياح كل من وقف في وجههم، إلا أن مشروعهم كان غاية في البساطة إلى حد السذاجة، بينما يتعاملون مع عالم معقد ومجتمع متعدد ومن وراء كل فريق مصالح إقليمية ودولية لم يلق لها طلبة العلم الديني الطيبون بالاً، فكان مشروعهم جمع البلد كله فوق نقطة واحدة هي الإسلام كما صاغته العصور الخوالي، ومن خلال رؤية مذهبية ضيقة ليس وراءها في معتقدهم إلا الضلال والكفر، وهو نهج شاذ عن سنة الله في خلقه، " وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (*) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ….".
 وهكذا سرعان ما تَصَرَّمَ الأمر، فكثر أعداؤهم في الداخل والخارج بسبب ضيق أُفقهم وتصورهم لإسلام مستل من بطون أسفار كتبت في القرون الخوالي، أحسنوا الظن في كفايتها لتنظيم دولة حديثة ولإدارة مجتمع معقد والتعامل مع تحديات عالم متربص ومتشابك.
 ومن ضيق أفق طالبان أن مشروعهم الإسلامي لا يكاد يتضمن شيئاً؛ غير قائمة من المحظورات، كالخمر والميسر وحلق الذقون وشغل المرأة وتعليمها، حتى إذا أنجزوا ذلك لم يجدوا غير الفراغ فشنوا حرباً على الأحجار المنحوتة منذ القرون الخوالي في الجبال ومرت من عندها أجيال من المسلمين لم يفكر أحدهم في محاربتها.
 ومن بساطتهم وضيق أفقهم فتحهم البلاد لجماعات المجاهدين الذين لفظهم النظام الدولي بعد أن قضى وطره منهم وعقدوا معهم العهد، فلما طولبوا بتسليمهم لمعاقبتهم على ما اقترفوا تمسكوا بما قطعوا على أنفسهم من عهد فكانت نهايتهم، وكان حالهم شبيهاً بقوم مكثوا مئات السنين في كهفهم ثم غادروه؛ وتمكنوا من دخول المدينة وفرضوا عليها حكمهم بحسب ما استقر في ثقافة القرون الغابرة. إن السنن غلابة ومنها سنة التطور " وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً".
 التجربة السودانية
 * وماذا عن التجربة السودانية ؟
** للأسف، فشل التجربة السودانية أمر واقع، وهل يُتوقع ممن فشل في إدارة الحوار في صلب جماعته، أن ينجح في التوافق مع جماعات طالما أعلن عليها الجهاد؛ ولم يدخر وسعاً في التعبئة ضدها وتضليلها وتخوينها والحلف جهاراً نهاراً أمام الملأ أنه لن يعيد تلك الأحزاب الطائفية!؟ هل يتوقع ممن أسس مشروعه على استبعاد الآخرين والانفراد بالسلطة ونظّر لذلك ورتب عليه أمره أن يتراجع عن ذلك ويتحول إلى ديمقراطي يحترم حقوق الآخر ويفي بما يعاهد عليه؟
 إن الفشل في هذه التجربة خلافاً لسابقتها مثير للغرابة وحتى للاستهجان، مع أن المشروع الإسلامي يتحرك هنا أيضاً في بيئة ممزقة، وفي وطن لم يستكمل مقومات وجوده بعد، ما جعل بنيان الدولة هشاً، فالدولة ليست هي محور الاجتماع وإنما القبيلة والطائفة واللون.
 ورغم شدة المكائد الدولية والإقليمية وتشابك المصالح وتصادمها، فالثابت أن المشروع الإسلامي في السودان - وإن كانت له بعض الإنجازات كنجاحه في استغلال ثروة البترول رغم العرقلة الأمريكية، ومثل توسيع دائرة التعليم وتعريبه، ومثل وقف زحف التمرد بل دحره في مواقع كثيرة- ربما صنع توازناً مع التمرد أقنعه بضرورة التفاوض والرضى باقتسام البلد وإطفاء حريق لم يعد مقبولاً استمراره بجوار حقول النفط الواعدة والتي تتعلق بها مصالح دولية ضغطت على الجميع لإطفاء الحريق والقبول بقسمة السلطة، بينما كان كل من التمرد وجماعة الإنقاذ طامعاً في الانفراد بالأمر كله. إلا أن النجاح المنجز في الاتفاق مع التمرد لاقتسام السلطة والثروة معه على أهميته لا يعني في المحصلة حسماً للداء من أساسه ما استمر فشله في اقتسام السلطة مع بقية المكونات الرئيسية للبلد عبر الحوار والتفاوض توصلاً للإجماع الوطني.
 إن البلد اليوم أشد انقساماً من اليوم الذي استولى فيه الإنقاذ على السلطة، وكأن الجسم الوطني السوداني يتفجر من جميع أجزائه عنفاً وتمرداً على السلطة المركزية، وقد استقر في ذهن جميع الفئات أن السلطة لا تفاوض إلا من يحمل السلاح، حتى إن زعيم أكبر حزب بالبلد الصادق المهدي هدد بحمل السلاح إذا لم يلق من الحكم ما يستحق، وهو ما أغرى أيضاً جماعة المؤتمر الشعبي رفاق الدرب وقد أقصوا ولوحقوا بالطرد من الإدارات وتجريدهم من كل مركز قوة هم فيه من قبل إخوانهم متهمين بأنهم وراء فصائل من التمرد في دارفور، وقد يلامون إن هم فعلوا ذلك ولكنَّ لصاحب الحق مقالاً.
 * هل تبرر الظروف الداخلية والخارجية الصعبة التي عمل فيها المشروع السوداني فشله؟
 ** صعب أن يُلتمس لهذا الفريق من الإسلاميين ما يُلتمس لجماعة طالبان من الأعذار؟ لأن هذا الفريق لم يخرج لإدارة الدولة الحديثة من بطون التاريخ ومدارس التقليد الفقهي، بل هو فريق حديث متخرج من جامعات حديثة مقدَّرة، مستوعب للعصر، تأسس على تصور إسلامي إصلاحي وليس تقليدياً.
 هو فريق تقلب في شؤون الإدارة والحكم، وزراء وبرلمانيون ومدراء لشركات وبنوك، فكيف سولت لهم أنفسهم بعد أن نجحوا في الانقلاب على الآخرين أن ينفردوا بحكم السودان وإلى الأبد!؟ مراهنين كأي جماعة من جماعات الحداثة العلمانية (وهم الإسلاميون) على الاستيلاء على الدولة والانفراد بها واستخدام مؤسساتها الحديثة في تفكيك بنية المجتمع بحسبانها متخلفة طائفية أنتجت كيانات سياسية طائفية تقليدية، فلتحل، وليخضع الشعب لمبضع الجراح الحداثي الإسلامي يفككه؛ سبيلاً لإعادة تركيب هويته بحسب الأنموذج الذي نريد، وذلك عبر بسط التعليم على أوسع نطاق لا بتقدير العلم قيمة في ذاته أو سبيلاً للنمو وإنما أداة سياسية لتقويض بنية الكيانات التقليدية المنافسة رهاناً على صنع هوية جديدة للشعب.
 ذلك هو الرهان الأساسي لمؤسس المشروع الدكتور حسن الترابي الذي طالما شكا وردد تلاميذه شكواه من تغلغل الطائفية في بنية المجتمع السوداني، ما جعل أحزاباً متخلفة في رأيهم مثل الاتحادي والأمة تعتصم بقواعد لها شعبية واسعة، فشلت حداثة الشيوعيين كحداثة الحركة الإسلامية في تقويضها اللهم إلا ما انتزعته منها عبر التعليم، فلتمتد الجامعات في كل أرجاء البلاد، وليستولي أبناء الحركة الإسلامية على كل مراكز القوة والنفوذ الأمني والعسكري والتعليمي والإعلامي والاقتصادي بخلفية تفكيك تلك البنية الاجتماعية المتخلفة سبيلاً لإعادة تشكيلها.
 إنه رهان كل صنوف الحداثات القومية والوطنية والشيوعية نفسه، رهان على الدولة محركاً للتغيير بخلفية احتقار وعي الشعب كما هو في الواقع، ودمغه بالتخلف وبالرجعية والطائفية بما يسوِّغ إخضاعه للجراحات الضرورية.
 غير أن حسن الترابي ليس فقط رجل دولة حديثة تحتل الدولة مركز فكره مثل سائر الحداثيين، ويسهل عليه تسويغ ما تقرره الدولة من جراحات على الجسم الاجتماعي المتخلف بما يقيم شبها بينه وبين ناصر وسوكارنو وبورقيبة وصدام والقذافي بل إنه أيضاً حقوقي ومناضل من أجل الحرية ومن أجل المبادرات الفردية وسلطة مؤسسات المجتمع المدني والشورى والديمقراطية، وهو كلما اصطدم مشروعه الحداثي للدولة بصعوبات حقيقية هنا أو هناك تذكر الجانب الآخر من شخصيته مدافعاً عن الحرية والشورى ومبادرات الفرد والمجتمع فيهم بالنهوض من كبوته ليصلح ما أثمر تدبيره ومش

المزيد


الغنوشي: غياب المرجعية في التحديث خلق فوضى ويتماً (2-5)

ديسمبر 30th, 2010 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , الغنوشى, المرأة, حوارات, سياسى, فكرى

في حواره الموسع مع إسلام أون لاين المفكر الإسلامي راشد الغنوشي(2-5)

 الغنوشي: غياب المرجعية في التحديث خلق فوضى ويتماً
أجرى الحوار: وحيد تاجا -
   في الجزء الثاني من لقائنا المطول مع المفكر الإسلامي التونسي راشد الغنوشي - زعيم حركة النهضة التونسية الإسلامية - نتناول الفشل الذي أحاط بعملية النهضة، ومنه حالة الصراع الذي ابتليت به الأمة بين الكثير من مكوناتها، كما نتناول المد الإسلامي أو الصحوة الإسلامية في هذه المرحلة، ودور الأحزاب الإسلامية والحركات السياسية الدينية في هذا المجال.
 نص الحوار
* تحدثتم عن واقع الأمة وعن الفشل الذي أحاط بعملية النهضة. بتقديرك، ما هي الأسباب التي جعلت العالم الإسلامي يصل إلى هذا الوضع؟
 *عوامل كثيرة خارجية وداخلية تراكمت تأثيراتها السلبية على أمة الإسلام، وأودت بها إلى هذا الحال من الضعف والتمزق.
 صراع محتدم لا هوادة فيه بين دولها وبين طوائفها وبين مذاهبها وبين نخبها القديمة والحديثة وبين شعوبها وحكامها، كل ذلك وهي تواجه حملات غربية متلاحقة منذ أزيد من قرنين؛ بل منذ بدأ الهجوم المعاكس في معركة (بواتييه)، لكنها بأثر عقيدتها لم تستسلم قط لميزان القوة الذي اختل لصالح الخارج، بل ظلت تقاوم حتى في غياب الوحدة السياسية الجامعة والإجماع الفكري والثقافي، على الرغم من أن النمو المعرفي والتطور التقني لدى أهل الضفة الأخرى، ظل البون بينه وبين نظيره لدى المسلمين يتسع لصالح الطرف المقابل منذ القرن السادس عشر.
* ما هو برأيك العامل الرئيسي في اختلال ميزان القوى الحضاري بين الفريقين؟
   يمكن القول إن العامل الرئيسي في اختلال ميزان القوة هو العامل الخارجي؛ ممثلاً في التفوق العسكري الذي أعانت عليه ظروف بيئية؛ مثل توافر ثروة الغابات (الأخشاب الصلبة) المساعدة على تطور صناعة السفن العملاقة القادرة على عبور المحيطات، وما أفضى إليه ذلك من كشوف جغرافية لعوالم جديدة فاضت عليهم بثروات طائلة كان لها إسهامها المقَدّرُ في فرض الكساد على اقتصاديات عالم الإسلام، مقابل إحداث حركة تجارية وصناعية في الغرب، مهدت لدخوله عصراً جديداً، عصر الثورة الصناعية والمجتمع الرأسمالي، وأثر التراكم الهائل للثروات المنهوبة من العوالم الجديدة ومن شعوبها التي تعرضت للإبادة.
* كأنك ربطت كل التقدم العلمي والتقني بالقوة العسكرية، فأين دور التنوير الفكري في صناعة النهضة الغربية؟
 القوة العسكرية في البنية الغربية هي الرافعة الأساسية والقوة المحركة للعلم والتقنية والاختراع، وهي كاسحة الثلوج عن طريق الرأسمال الزاحف بحثاً عن الأسواق والمواد الأولية وخصوصاً الطاقة.
وعلى الرغم مما يعطى عادة من أهمية مبالغ فيها لدور التنوير الفكري في صناعة النهضة الغربية، بما حرر من عقول من إسار الخرافة والدين الكنسي؛ وبما أشاع من قيم تحررية وما طور من أنظمة ديمقراطية وما صاغ وأقر من حقوق للإنسان؛ كالمساواة بين الناس والمساواة بين الجنسين، مما يندرج تحت مسمى التحديث والنهضة والإصلاح، على أهمية تلك الأفكار والقيم والنظم إلا أنها لم تأتِ ثمرة لتأملات فلسفية أو تلبية ليقظة ضمير أخلاقي إنساني مضّه الإحساس بالظلم وترسخ فيه وهيمنت عليه قيم العدالة، بقدر ما جاءت لتلبي مطالب التفوق العسكري والتوسع الرأسمالي، جاءت بعدها تسوياتٌ لصراعات محتدمة لم يمكن حسمها داخلياً لصالح طرف واحد من الأطراف المتصارعة فكان لا بد من ترتيبات وتسويات سلمية، حملت مسمى النظام الديمقراطي، من أجل إزاحة العوائق من طريق انطلاق رأس المال.
المرأة والتوسع الرأسمالي
* ربطت في أحد حواراتك بين هذا التوسع الرأسمالي وتحرر المرأة والاعتراف بحقوقها في الغرب ؟
 قصة حرية المرأة والاعتراف بحقوقها لم يكن منطلقها بحال إنسانياً، بقدر ما كان مقتضى من مقتضيات التوسع الرأسمالي وتوفير يد عاملة رخيصة، وبالخصوص خلال الحروب التي أخلت المصانع والإدارات من كثير من الرجال ممّن كان لابد من تعويضهم بالنساء، فكان لا بد من تحقير قيم العائلة ودور المرأة أُمّاً وربة بيت، مقابل إيلاء قيمة لعمل المرأة خارج البيت، وتركيز الأضواء حول جانب الأنوثة والإغراء من شخصيتها وتحويلها في المحصلة لسلعة في السوق الرأسمالية التي "سلَّعت" كل شيء.
وتلك هي العلمانية الشاملة والترجمة القيمية والفلسفية والمجتمعية للمؤسسة الرأسمالية العملاقة ولآلتها العسكرية الفتاكة التي أمكن لها أن تعمل في الأمم والحضارات والديانات إبادة إن أمكن أو تفكيكاً واحتواء، وقطعت في ذلك أشواطاً بعيدة تغريباً للعالم أو أمركة له.
عودة الإسلام
 * أشرت إلى أن الإسلام لم يستسلم قط لميزان القوة الذي اختل لصالح الخارج، بل ظل يقاوم حتى في غياب كل من الوحدة السياسية الجامعة والإجماع الفكري والثقافي .. كيف ترى ذلك؟
   أبدى الإسلام ولا يزال استعصاء يتفاقم في وجه الحداثة؛ والحقيقة إن استعصاءه ليس في وجه الحداثة بما هي علوم وتقنيات ومعارف ثابتة فقد أمكن لحركاته الإصلاحية منذ قرنين أن تحتوي كل ذلك ضمن قيم الإسلام وبشروطه ولخدمته، وإنما استعصاؤه هو أساساً في وجه آلته العسكرية الفتاكة وما يتقدمها من أضواء تغشي الأبصار لتسويغها والتمهيد لها: فلسفات وقيم مادية تحول الإنسان إلى مجرد وسيلة.
إن قوة الإسلام الروحية المتعاظمة تمثل اليوم - بعد إزاحة العقبة الشيوعية - عنصراً أساسياً في استعادة شيء من التوازن الدولي المختل والحؤول دون أن تعلن الدولة العظمى نفسها إلهاً لا يُسأل عما يفعل ولا رادَّ لقضائه، وذلك على الرغم مما يطفو على السطح من أشكال عشوائية لمقاومة تُعزى للإسلام رغم تجافيها عن قيمه، وغلبة الرد الغاضب الغريزي عليها؛ المصط

المزيد


التالي