دار الإسلام ودار الحرب:
الدولة؛ أيّ دولة تتقيد بضوابط وقيود تحكم العلاقات الدوليّة عادة، وقد لا يكون في مقدورها تجاوز تلك القيود والضوابط ولو أرادت ذلك أو رغبت فيه. في الوقت نفسه هذا لا ينفي علاقاتها بدينها ومذهبيّتها، أو آيديولوجيّتها. ويفترض أن تكون الأمّة أو منها مؤسّسة للدعوة مستقلة عن الدولة، لا تحكمها تلك القواعد والضوابط. ولا تؤاخذ الدولة بما تفعل. فالغرب –اليوم- قد تتناول صحافته مَا تشاء وكما تشاء، وعندما يحتج الآخرون يقال لهم: إنّها حريّة الصحافة في بلادنا!! فالدولة قد تعتمد تصنيفات فقهيّة وقانونيّة، وتبني بمقتضاها نظم علاقاتها.
أمّا «مؤسّسة الدعوة» فتقوم على الرؤية الكليّة للأرض التي لا شك أنّها ستكون مختلفة عن «نظام العلاقات الدوليّة» للدول في كثير من القضايا والمواقف. وينبغي أن يتم تحديد الفواصل بين الاثنين بدقة لئلا تتدخل الأمور، وتقع انشقاقات واختلافات داخليّة تؤدي إلى تصادم أو شقاق بين الدولة والدعوة أو المؤسّسات التابعة لكل منهما.
وتقسيم الفقهاء (فقهاء الدولة للمعمورة) إلى دار حرب ودار إسلام ودار عهد لا يضير فقهاء الدعوة ولا يتقاطع مع رؤيتهم، فالتقاطع أو التعارض إنّما يحدث بين حقول ومجالات الاهتمام فحسب. ففقه الدعوة يتسع لجعل المعمورة كلها دار دعوة غير قابل للقسمة إلى دور عديدة إلا بشكل محدود واعتباريّ:
- كأن يقول لدار قبل أهلوها الإسلام. وسادت فيها أحكام الإسلام. يدخلها الناس ويخرجون منها بأمان المسلمين وهي التي يطلق «فقهاء الدولة» عليها «دار الإسلام» يسميها فقهاء مؤسّسة الدعوة «بدار الإجابة» بناء على كونها دارًا «للذين استجابوا لله وللرسول».
- ودار لم يستجب أهلها للدعوة، لكنهم رحبوا بتوقيع اتفاقيات تجعل منها دار عهد بأيّ مستوى من المستويات. فهي دار دعوة، وميدان من ميادينها.
- ودار لم تستجب ولم تعاهد وآثرت أن تكون في موقف عدائي، وذلك لا يغير من كونها –في نظر فقهاء الدعوة- دار دعوة. لكنه قد يجعل فقهاء الدولة يسمونها «دار حرب».
اعتراض محتمل وجوابه: دار الإسلام ودار الحرب:
وقد يقول قائل: إذا كان القرآن الكريم يحمل هذه المؤشّرات، ويدعونا إلى تبنّيها، ويعلّم الناس بأنّ الأرض -كلّها- بيت للإنسان فلِمَ قسم المسلمون الأرض في القرن الهجري الثاني إلى «دار حرب ودار إسلام ودار عهد» ؟، فأقول: إنَّ هذه القسمة لم تكن قسمة قرآنيّة، ولم تكن قسمة نبويّة، بل هِيَ تقسيم فقهيٌّ يمثّل الواقع في المعمورة في زمن معيَّن جاء به الإمام مُحَمَّد بن الْحَسَن الشيباني([17]) (ت: 189) وهو يحاول أن يبيّن لهارون الرشيد([18]) (ت: 193) رحمهما الله، مواقف الدول المعاصرة لدولة المسلمين- آنذاك- والمواقف التي ينبغي لدولة المسلمين أن تقفها بناءً على مواقف تلك الدول من دولة المسلمين. فقام بقسمتها وفقًا لذلك التصور، ليقدم للخليفة برنامجًا لرسم سياسات في مجال العلاقات الدوليَّة يتبيّن الخليفة من خلال ذلك التصوّر الدول المعادية، والدول التي يمكن أن تكون صديقة وأيّ البلدان يمكن أن يأمن جانبها، وما البلدان التي لا يستطيع أن يأمن جانبها.
ومع ذلك فإنَّ كثيرًا من أئمتنا قد انتقدوا هذا التقسيم، فالقفال الشاشي([19]) رحمه الله وكثير من العلماء الذين جاءوا بعده، قدّموا بدائل عن هذه القسمة لإدراكهم أنّها قسمة آنيَّة لاحظت واقعًا معيّنا فإذا أعطيت صفة الإطلاق تصبح متعارضة، بل مناقضة لموجّهات القرآن الكريم حول الأرض، ولتوجيهات رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلّم- في النظر إليها، ولذلك قالوا: لا ينبغي أن تقسم الأرض إلى «دار حرب ودار إسلام ودار عهد» وهو مَا أضافه الإمام الشافعيّ فيما بعد؛ بل يقال: «دار إجابة ودار دعوة»، فدار الإجابة هِيَ الدار التي يسكنها المسلمون أخذًا من قوله تعالى: ]الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ[ (آل عمران: 172)، فتسمَّى دار إجابة، وهذا تعبير دقيق وصحيح ليس فيه اعتداء على أحد، وهو غير محمّل بتحيُّزات معادية أو تحريضيَّة وليس فيه تقليل من أهميّة أحد آخر، وأمّا الدار الأخرى التي كان يسميها الشيبانيُّ «بدار الحرب» فقالوا ينبغي أن يطلق عليها «دار دعوة»، لأنَّ مسئوليَّة المسلمين أن يُوصلوا هذا النور والخير الَّذِي فيه إليها ويشركوها بنعمة القرآن والإيمان. فالأرض إذن داران: «دار دعوة، ودار إجابة»، وقال الشاشيّ: لا ينبغي أن يقال «أمَّة حرب»، فالأمّة المسلمة يقال لها: «أمة إجابة» لقوله تعالى: ]الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ[ (آل عمران: 172)، و«أمّة دعوة» للذين لا يزالون على غير الإسلام، وهم أهل لأنَّ يوصل الإسلام إليهم.. ([20])
فهدى القرآن في هذا المجال المستنبط من تدبّره، وتوجيه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- لا يتّسع لتلك القسمة التي بقي أثرها السلبيُّ للأسف الشديد عند الكثيرين من الفقهاء- الذين أخذوها على إطلاقها- وما زال أثرًا خطيرًا. والفخر الرازي([21]) عليه رحمه الله وقد توفي سنة (606) هـ كان يؤكد أنّه ينبغي أن لا تسمى الأرض إلا بمثل مَا ذهب الشاشيّ إليه بناءً على قوله- صلى الله عليه وآله وسلّم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورَا»([22]) تفسيرًا لقوله تعالى: ]هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ[ (هود: 61)، وأنَّ البشر لا ينبغي أن يقسموا إلى تلك القسمة، بل يقسمون إلى «أمَّة إجابة» و«أمَّة دعوة» والله أعلم([23]).
ومما ينبغي الوعي به أنّ الدول والحكومات لا تنفك تقسم الدول الأخرى إلى دول













