Yahoo!


الإسلاميُّون بين الدعوة والدولة (ج3/3)…… د. طه جابر العلواني

أكتوبر 4th, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , اجتماعى, سياسى, طه جابر العلواني, فكرى

دار الإسلام ودار الحرب:

 الدولة؛ أيّ دولة تتقيد بضوابط وقيود تحكم العلاقات الدوليّة عادة، وقد لا يكون في مقدورها تجاوز تلك القيود والضوابط ولو أرادت ذلك أو رغبت فيه. في الوقت نفسه هذا لا ينفي علاقاتها بدينها ومذهبيّتها، أو آيديولوجيّتها. ويفترض أن تكون الأمّة أو منها مؤسّسة للدعوة مستقلة عن الدولة، لا تحكمها تلك القواعد والضوابط. ولا تؤاخذ الدولة بما تفعل. فالغرب –اليوم- قد تتناول صحافته مَا تشاء وكما تشاء، وعندما يحتج الآخرون يقال لهم: إنّها حريّة الصحافة في بلادنا!! فالدولة قد تعتمد تصنيفات فقهيّة وقانونيّة، وتبني بمقتضاها نظم علاقاتها.

أمّا «مؤسّسة الدعوة» فتقوم على الرؤية الكليّة للأرض التي لا شك أنّها ستكون مختلفة عن «نظام العلاقات الدوليّة» للدول في كثير من القضايا والمواقف. وينبغي أن يتم تحديد الفواصل بين الاثنين بدقة لئلا تتدخل الأمور، وتقع انشقاقات واختلافات داخليّة تؤدي إلى تصادم أو شقاق بين الدولة والدعوة أو المؤسّسات التابعة لكل منهما.

 وتقسيم الفقهاء (فقهاء الدولة للمعمورة) إلى دار حرب ودار إسلام ودار عهد لا يضير فقهاء الدعوة ولا يتقاطع مع رؤيتهم، فالتقاطع أو التعارض إنّما يحدث بين حقول ومجالات الاهتمام فحسب. ففقه الدعوة يتسع لجعل المعمورة كلها دار دعوة غير قابل للقسمة إلى دور عديدة إلا بشكل محدود واعتباريّ:

  • كأن يقول لدار قبل أهلوها الإسلام. وسادت فيها أحكام الإسلام. يدخلها الناس ويخرجون منها بأمان المسلمين وهي التي يطلق «فقهاء الدولة» عليها «دار الإسلام» يسميها فقهاء مؤسّسة الدعوة «بدار الإجابة» بناء على كونها دارًا «للذين استجابوا لله وللرسول».
  •  ودار لم يستجب أهلها للدعوة، لكنهم رحبوا بتوقيع اتفاقيات تجعل منها دار عهد بأيّ مستوى من المستويات. فهي دار دعوة، وميدان من ميادينها.
  •  ودار لم تستجب ولم تعاهد وآثرت أن تكون في موقف عدائي، وذلك لا يغير من كونها –في نظر فقهاء الدعوة- دار دعوة. لكنه قد يجعل فقهاء الدولة يسمونها «دار حرب».

 اعتراض محتمل وجوابه: دار الإسلام ودار الحرب:

 

 وقد يقول قائل: إذا كان القرآن الكريم يحمل هذه المؤشّرات، ويدعونا إلى تبنّيها، ويعلّم الناس بأنّ الأرض -كلّها- بيت للإنسان فلِمَ قسم المسلمون الأرض في القرن الهجري الثاني إلى «دار حرب ودار إسلام ودار عهد» ؟، فأقول: إنَّ هذه القسمة لم تكن قسمة قرآنيّة، ولم تكن قسمة نبويّة، بل هِيَ تقسيم فقهيٌّ يمثّل الواقع في المعمورة في زمن معيَّن جاء به الإمام مُحَمَّد بن الْحَسَن الشيباني([17]) (ت: 189) وهو يحاول أن يبيّن لهارون الرشيد([18]) (ت: 193) رحمهما الله، مواقف الدول المعاصرة لدولة المسلمين- آنذاك- والمواقف التي ينبغي لدولة المسلمين أن تقفها بناءً على مواقف تلك الدول من دولة المسلمين. فقام بقسمتها وفقًا لذلك التصور، ليقدم للخليفة برنامجًا لرسم سياسات في مجال العلاقات الدوليَّة يتبيّن الخليفة من خلال ذلك التصوّر الدول المعادية، والدول التي يمكن أن تكون صديقة وأيّ البلدان يمكن أن يأمن جانبها، وما البلدان التي لا يستطيع أن يأمن جانبها.

ومع ذلك فإنَّ كثيرًا من أئمتنا قد انتقدوا هذا التقسيم، فالقفال الشاشي([19]) رحمه الله وكثير من العلماء الذين جاءوا بعده، قدّموا بدائل عن هذه القسمة لإدراكهم أنّها قسمة آنيَّة لاحظت واقعًا معيّنا فإذا أعطيت صفة الإطلاق تصبح متعارضة، بل مناقضة لموجّهات القرآن الكريم حول الأرض، ولتوجيهات رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلّم- في النظر إليها، ولذلك قالوا: لا ينبغي أن تقسم الأرض إلى «دار حرب ودار إسلام ودار عهد» وهو مَا أضافه الإمام الشافعيّ فيما بعد؛ بل يقال: «دار إجابة ودار دعوة»، فدار الإجابة هِيَ الدار التي يسكنها المسلمون أخذًا من قوله تعالى: ]الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ[ (آل عمران: 172)، فتسمَّى دار إجابة، وهذا تعبير دقيق وصحيح ليس فيه اعتداء على أحد، وهو غير محمّل بتحيُّزات معادية أو تحريضيَّة وليس فيه تقليل من أهميّة أحد آخر، وأمّا الدار الأخرى التي كان يسميها الشيبانيُّ «بدار الحرب» فقالوا ينبغي أن يطلق عليها «دار دعوة»، لأنَّ مسئوليَّة المسلمين أن يُوصلوا هذا النور والخير الَّذِي فيه إليها ويشركوها بنعمة القرآن والإيمان. فالأرض إذن داران: «دار دعوة، ودار إجابة»، وقال الشاشيّ: لا ينبغي أن يقال «أمَّة حرب»، فالأمّة المسلمة يقال لها: «أمة إجابة» لقوله تعالى: ]الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ[ (آل عمران: 172)، و«أمّة دعوة» للذين لا يزالون على غير الإسلام، وهم أهل لأنَّ يوصل الإسلام إليهم.. ([20])

 فهدى القرآن في هذا المجال المستنبط من تدبّره، وتوجيه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- لا يتّسع لتلك القسمة التي بقي أثرها السلبيُّ للأسف الشديد عند الكثيرين من الفقهاء- الذين أخذوها على إطلاقها- وما زال أثرًا خطيرًا. والفخر الرازي([21]) عليه رحمه الله وقد توفي سنة (606) هـ كان يؤكد أنّه ينبغي أن لا تسمى الأرض إلا بمثل مَا ذهب الشاشيّ إليه بناءً على قوله- صلى الله عليه وآله وسلّم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورَا»([22]) تفسيرًا لقوله تعالى: ]هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ[ (هود: 61)، وأنَّ البشر لا ينبغي أن يقسموا إلى تلك القسمة، بل يقسمون إلى «أمَّة إجابة» و«أمَّة دعوة» والله أعلم([23]).

 ومما ينبغي الوعي به أنّ الدول والحكومات لا تنفك تقسم الدول الأخرى إلى دول

المزيد


الإسلاميُّون بين الدعوة والدولة (ج2/3)…… د. طه جابر العلواني

أكتوبر 3rd, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , اجتماعى, سياسى, طه جابر العلواني, فكرى

الديمقراطيَّة وعائلتها المفاهيميَّة بين اجتهادات الإسلاميّين وتراجعهم:

 اجتهاد أم تراجع؟

 منذ أن تغيَّر النظام السابق في جمهورية مصر العربيّة والجدل شديد بين المثقفين والمعنيّين بالشأن العام حول «الدولة الدينيّة والدولة المدنيّة» أو «المواطنة والذمّة» وما إلى ذلك.

 يشتد هذا الجدل وتعلو فيه الأصوات ويشتد فيه صرير الأقلام أحيانًا وتضطرب فيه الأصوات وتختلط في الاعتصامات وأماكن التجمعات العامّة، ومن الواضح أنّ هناك رفضًا لا يستهان به لما يسمى «بالدولة الدينيَّة» أو «الثيوقراطيَّة»؛ بل إنّ هناك تخوفًا لا يهدأ من الليبراليّين على اختلاف مستوياتهم، وقد يلحق بهم بمستوى أو بآخر بعض المنتمين إلى الأقليّات الدينيّة المذهبيّة لأنّ الصورة المتبادرة إلى الأذهان صورة إنسان أو موظف حكوميّ يجلس على كرسي عالٍ يوحي بكل معاني التسلُّط وأمامه شخص آخر كل ذنبه أنّه لم يوفّق للانتماء إلى ديانة الأكثريّة فيكون جزاؤه أن يحكم عليه بأنّه إنسان طارئ على الوطن الذي ينتمي إليه وعليه أن يدفع «الجزية عن يد وهو صاغر ذليل»، ومن ذا الذي يرتضي لنفسه الذلة والصغار أو يختار مَا هُوَ أقسى على نفسه من ذلك، وهو تغيير الدين بالقوة؟!

 ولذلك فقد ارتفعت أصوات كثيرة تنادي بإلغاء الأحكام المتعلّقة «بالجزية» وجميع الأحكام المتعلقة بأهل الذمَّة، وإذابة الفوارق بين الناس على أيّ أساس قامت دينيّ أو مذهبيّ. وإعلان علمانيّة الدولة وليبراليّة الاتجاهات والاحتكام إلى الديمقراطيّة وقيمها وأعلاها قيمة «الحريّة»، ونجد المهمومين بهموم العمل السياسيّ بمرجعيّة إسلاميّة في موقف دفاع دائم وانسحابات وتراجعات؛ فمرة ينفون وجود الجزية، أو يئولونها ويحملونها على أضيق المحامل، ومرة ينادون بتجميد الحدود الشرعيّة، وأخرى وثالثة ورابعة، والذي نودّ أن، نوضحه للمتجادلين في الصفحات التالية قضيّة «المواطنة» مَا لها وما عليها، ونستلهم القرآن المجيد ليفتينا فيها([4]).!

 إنّ القرآن المجيد لم يتحدث عن «مفهوم المواطنة»؛ بل تحدث عن مفهوم الدار ومفهوم البيت وما إليها، وذلك انسجامًا مع رؤيته الكليّة للحياة ومراحلها العديدة، فالحياة الدنيا مَا هِيَ إلا مرحلة من مراحل الحياة الإنسانيّة الممتدة من بدء الخليقة إلى وصول الإنسان إلى الجنة أو النار، وبالتالي فما هِيَ بدار قرار متصل بالخلود؛ لأنّ الدار الآخرة هِيَ الحيوان وهي موقع الخلود لكن الدار الآخرة لا يمكن الوصول إليها بسلام والحصول على الجزاء الأحسن فيها إلا بعد المرور بمرحلة الحياة الدنيا وممارسة الدور الإنسانيّ فيها بخيره أو غيره.

 

 و«مفهوم الدار» فيه معنى الانتقال أو التغيير، كما يتضمن الإشارة إلى أنّ الأرض كلّها ميدان للإنسان ليمارس فيه دوره الاستخلافيّ.

 إشكاليّة الهُوِيَّة:

 إنّ موضوع «المواطنة» قد مثّل جزءًا من مشكلة «الهويّة» والمفاهيم المختلفة التي ارتبطت بها منذ احتكاكنا الفكريّ والثقافيّ والسياسيّ والعسكريّ بالغرب في القرن الماضي.

 وإذا كانت المسألة قد حسمت على صعيد الواقع منذ أن تمزقت الدولة العثمانيّة وتحولت أشلاؤها العربيّة وغيرها إلى دول وحكومات قوميّة وإقليميّة فإنّ المسألة لم تنتهِ على المستوى الفكريّ والثقافيّ بل بقيت سؤالا كبيرًا يُطرح بشكل تحدٍّ أحيانا وبشكل عذر أو ذريعة أحيانًا، كما يطرح بشكل تساؤل أحيانا أخرى، وأيًّا كان الشكل الذي يطرح الموضوع به فقد بقي موضوعًا شديد الحساسيّة كبير الخطر. حتى إذا بدأت مظاهر الشيخوخة والكبر والفشل تبدو على قواعد الدولة القوميّة والدولة الإقليميّة الوطنيّة في بلاد المسلمين بدأ البحث يشتد حول صيغ جديدة للهُويّة والانتماء وأفضل أساليب تنظيم العلاقات بين شعب كل قطر من ناحية، وبينهم وبين الحكومات المهيمنة على مقدراتهم حزبيّة كانت أو عسكريّة أو غيرها من ناحية أخرى وتضاعف حجم ذلك السؤال كثيرًا ونما بشكل هائل.

 وحين بدأ الاتجاه الإسلاميّ في الأمّة يتحرك، وترشح بعض فصائله نفسها بديلا سياسيًّا وتؤكد أنّ «الإسلام هُوَ الحل» حُوِّل السؤال إلى مشكلة كبرى تطرحها بوجه العاملين في الحقل الحركيّ والسياسيّ الإسلاميّ على اختلافهم سائر الفصائل الليبراليّة العلمانيّة والدنيويّة الأخرى، وأصبحت هذه القضيّة أداة من أدوات الصراع السياسيّ في العالم الإسلاميّ الحديث. وكثير من الحكومات السائدة في بلاد المسلمين تحتج بوجود أقليات غير مسلمة لحرمان الأكثريّة المسلمة التي قد تبلغ 98% أو تزيد من حقها في اختيار الشريعة التي تتحاكم إليها، وكثير منها تتهم الحركات الإسلاميّة بأنّ وجودها -وحده- فضلا عن مبادئها ومطالبها وأهدافها يعتبر تهديدًا «للوحدة الوطنيّة» يقتضي سن «قوانين طوارئ» وتعطيل القوانين المدنيّة.

 لقد كانت «المواطنة» أساس الانتماء الذي أكد على «الوطنيّة» هويّة للدولة الحديثة. و«المواطنة» انتماء إلى تراب تحده حدود جغرافيّة، فكل من ينتمون إلى ذلك التراب مواطنون يستحقون مَا يترتب على هذه المواطنة من الحقوق والواجبات التي تنظم بينهم (بمقتضى هذه النسبة) لا بشيء آخر سائر العلاقات. فالرابطة بينهم رابطة علمانيّة دنيويّة. وكذلك الرابطة بينهم وبين حكوماتهم رابطة علمانيّة دنيويّة تخضع لمقاييس النفع والضرر، نفع الوطن ونفع المواطن، ولا بد من انصهار المواطنين -جميعًا- بكل أديانهم ومذاهبهم ومللهم ونحلهم وجذورهم العرقيّة في هذه الرابطة الترابيّة النفعيّة، وكذلك تنازلهم عن أيّة خصوصيّات تتعارض مع هذا الإطار. ولأنّ هذه الرابطة تهن وتقوى بمقدار مَا يتحقق من نفع لشركاء التراب الواحد ولا تمثل للإنسان ميزة يختص بها، بل هِيَ نزعة مشتركة بين الإنسان وكثير من فصائل الحيوانات والطيور. فقد أوجد نوع من التلازم بين «المواطنة والعلمانيّة أي الدنيويّة لتكون العلمانيّة الدنيويّة مضمونها الفكريّ». فالمواطنة بمفهومها المذكور لا تتحقق عند أهلها إلا في ظل العلمانيّة الدنيويّة وفي إطار سيادة مفاهيمها ونظمها ومنهجها في الحياة. ومن هنا ظنّ العلمانيّون الدنيويّون في العالم الإسلاميّ أنّ هذه الحجّة المتمثلة بوجود أقليات غير مسلمة عصا موسى القادرة على لقف ومصادرة كل مَا ينادي به أصحاب المشروع السياسيّ الإسلاميّ. فتعالت الأصوات برفض المشروع الإسلاميّ والتنديد به والتأكيد على وجوب بناء «المجتمع المدنيّ» الذي هُوَ نقيض المجتمع الدينيّ في نظرهم([5]).

 ولقد حاول كثير من قادة «المشروع السياسيّ الإسلاميّ» احتواء ذلك الضجيج والتأكيد على أن المشروع الإسلاميّ كفيل بتحقيق «المجتمع المدنيّ» المطلوب –في إطار إسلاميّ- وأنّهم مستعدون لتأصيل كثير من دعائم المجتمع الغربيّ الذي يصر العلمانيّون الدنيويّون على أنّه النموذج الأوحد «للمجتمع المدنيّ»، ولكن ذلك كلّه لم يقنع الفصائل العلمانيّة الدنيويّة بذلك ولم يعانوا محاولة قبولهم أو رضاهم، أو تركهم «المشروع السياسيّ الإسلاميّ» يمر في أقل تقدير ولا يزال القادة والمفكّرون الإسلاميّون يجتهدون ويواصلون اجتهاداتهم في كل مَا طرحه العلمانيّون على المشروع السياسيّ الإسلاميّ من إشكالات لكن بعض العلمانيّين يرفضون الاستماع إليهم أو تصديقهم، فلقد اجتهد كثير من قيادات «المشروع السياسيّ الإسلاميّ» في مفهوم «الديمقراطيّة» وأعلنوا قبولهم لها وأصّلوا لها دون تحفظ، وشاركوا فيها. كما اجتهدوا في «التعدديّة السياسيّة» وأعلنوا قبولها كدعامة من دعائم الديمقراطيّة. وأعلنوا قبولهم لفكرة ومفهوم «الحريّات العامّة» كما أعلن بعضهم ذلك بدون تحفظ وقبلها بعضهم بتحفظ بسيط.

 وقد أعلن جل القادة السياسيّين من الفصائل الإسلاميّة اتساع الإسلام لقبول مفهوم المواطنة كما هُوَ في الوعي المعاصر ويدلّل لهذا القبول ويعلّل له ويؤصله ليكون اجتهادًا معتبرًا شرعًا تستجيب له القلوب المسلمة وتقبله العقول.

 ومع ذلك فلا تزال العديد من الفصائل العلمانيّة الدنيويّة على مواقفها من رفض المشروع السياسيّ الإسلاميّ وتخوفها منه، وشكها في أصحابه. بل إنّ بعضهم يفضل العيش في ظل الاستبداد والدكتاتوريّات السافرة والمقنَّعة على قبول أيّ مشروع سياسيّ إسلاميّ مهما أدخلت عليه من تعديلات.

 ولذلك فقد أردت أن أبدي رأيي في هذا الموضوع الخطير وفي هذه المرحلة الحرجة لعلّ الله –جلّ شأنه- يهدي قلبي ولساني وقلمي لقول التي هِيَ أحسن في هذا المجال.

 المفاهيم وخطورة استعارتها دون وعي:

 إنّ استعارة مفاهيم من نسق حضاريّ مختلف له جذوره وأصوله الوثنيّة وقواعده المغايرة ليس كاستعارة ألفاظ عاديّة أو ترجمة مصطلحات ميكانيكيّة، زراعيّة أو صناعيّة أو وسائل وأدوات حضاريّة وإن كنّا نرى أنّ في هذه المصطلحات -أيضًا- هناك أمور لا بدّ من ملاحظتها؛ لأنّ وراء كل من الآلة والأداة والمصطلح الذي يعبر عنها أفكارًا لا يسعنا تجاهلها أو إهمال دورها في التأثير الفكريّ والعمرانيّ، لكن الأمر في هذه قد يكون أهون خطرًا أو أقل شأنًا من عمليّة استعارة مفاهيم مشحونة بجملة من الأفكار والتحيزات متصلة بكثير من القواعد ومؤدية إلى كثير من الآثار في مختلف جوانب الحياة مثل «المواطنة» و«الديمقراطيّة» ونحوها.

 ولعلّ في الملاحظات القليلة التالية مَا ينبه إلى بعض مخاطر استعارة المفاهيم الحضاريّة من الأنساق المغايرة بحيث يتنبه المستعيرون إلى وجوب وضع الضوابط المناسبة، والمعايير الضروريّة لهذا النوع من الاستعارة، لئلا تنهدم السدود بين الثوابت والمتغيِّرات في إطار الحوارات السياسيّة التوافقيَّة.

 أولا: إنّ كلمة «مواطن» تعبير لم يظهر ولم يجر تداوله إلا بعد الثورة الفرنسيّة (سنة: 1789م)، أمّا قبلها فالناس ملل وشعوب وقبائل لا تعتبر التراب –إلا تبعًا لشيء من ذلك- وسيلة من وسائل الارتباط.

 ثانيًا: إنّ العلمانيّة الدنيويّة –بعد ظهورها وبروزها- كتيّار فكريّ ومنهاج حياة يقابل الدينيّة بالتقاطع أحيانًا، والتلافي والتحجيم والتجاوز أحيانًا أخرى، استهدفت فيما استهدفته إذابة الفوارق والخصوصيّات والفوارق دينيّة كانت أو عنصريّة أو إثنيّة، ولا تسمح لها أن تعرقل مسيرتها، أو أن تحدَّ من فاعليّتها في إذابة الفوارق وإقامة النظم الشاملة القائمة على المصلحة واللذّة والمنفعة الدنيويّة لا غير؛ لأنّها كرّست هذه الأمور باعتبارها البديل عن القيم الدينيّة والخلقيّة.

 ثالثًا: إنّ نصوص القرآن العظيم المتعلقة بهذا الموضوع وما ورد تطبيقًا لها وتنزيلا لأحكامها على الواقع مثل «ميثاق المدينة»([6]) وما بني عليه من تصرفات الخلفاء الراشدين وقيادات الصحابة والتابعين في الميادين المختلفة كانت تشير كلّها –بوضوح شديد- إلى حرص الإسلام البالغ على مساعدة سائر أولئك الذين لم يقتنعوا بعد بالد

المزيد


الإسلاميُّون بين الدعوة والدولة (ج1/3)…… د. طه جابر العلواني

أكتوبر 3rd, 2011 كتبها أبو مريم محمد عريضة نشر في , اخوان, سياسى, طه جابر العلواني, فكرى

فى مرحلة الشباب الأولى من (18-35) من العمر كنت مثل كثيرين من أترابي شديد الحماس لرؤية «دولة إسلاميّة»، أي دولة يرأسها خليفة، تطبق الأحكام الفقهيّة وتقيم الحدود (العقوبات)، التي يطلق عليها «الحدود الشرعيّة». لقد صورت لنا ثقافة المسلمين في تلك المرحلة أنّ العيش في ظل نظام يحمل هذه الصفة يمثل طريقًا يبسًا إلى الجنة لا يخاف سالكه دركًا ولا يخشى؛ لتداول خبر شائع يحتاج سنده ومتنه إلى جهودٍ بحثية للتأكد من مستوى الثقة به سندًا أو متنًا من عدمها، ألا وهو «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة»([1])، وهذا الخبر شاع واشتهر لاتخاذه أصلا استندت إليه أنواع كثيرة من البيعات للحكام وللمشايخ وللمراقبين والمرشدين وأئمة الدعوة، وعززت تلك الثقافة بحديث «التأمير»: «إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا عليكم أحدكم»([2]). لقد كنَّا نرى أنَّ العيش في ظل أمير للمؤمنين من «الموقعين عن رب العالمين» يضمن لنا سبعين في المائة أو أكثر من الجهود المطلوبة لدخول الجنة. وأتذكر أيضًا ذلك الحديث الذي جعلتنا كثرة ترديدنا له نستغني بها عن النظر في صحة سنده أو متنه، وهو: «المرأة نصف الدين فاتق الله في النصف الآخر»([3])، فإذا رزق الإنسان «الودود الولود» وخليفة يطبق الأحكام ويقيم الحدود فقد ضمن لنفسه الجنة!! 

ولقد دخلت في الرابعة والعشرين من عمري في جدال مع عبد الكريم قاسم، الذي حكم العراق بعد انقلاب ناجح قاده ضد الملكيَّة مع عبد السلام عارف، صيف ( 1958م ) حول النظام الإسلاميَّ استغرق عدة ساعات، وكدت أفقد فيه حياتي بمسدس عبد الكريم لولا عناية الله ثم الأجل، فالرجل كان يهاجِم بشدة النظام الذي أسسه المسلمون في واقعهم التاريخي، وكنت أدافع عنه دفاع المستميت معتبرًا أسوأ مَا فيه أحسن وأعدل مما أفرزه أيُّ نظام آخر، ومنها نظامه الجمهوري. ثم بدأت السن تتقدم والتجارب والخبرات تكثر وتتراكم، والقراءآت تزداد، والعقليَّة تتحول من حالة «التلقي المستسلم» لكل مَا يقرأ إلى حالة «النقد والتحليل» والتفكير بما يعرض من جوانب عديدة فبدأت الطريقة المتسائلة والمنهج ينموان فإذا بى أعيد النظر في كثير من تلك الأفكار وأراجع الكثير من تلك المسلَّمات، فاكتشفت الظلم الفادح الذي أوقعته «الدولة بالدعوة»، وذلك أنَّ الإسلام دين عالميّ يشتمل على الحنيفيَّة السمحاء كلها يحمله خطاب عالميّ شامل للبشريَّة كلها، لم يستثن ولا يستثنى أحدًا منها فالبشريَّة كلها مخاطبة به مدعوة لتلقيه بشموله وعمومه وعالميّته، فآفاق الدعوة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود إلا مَا يتعلق بحقيقتها وخصائصها وآفاقها الرحبة الواسعة.

 أما الدولة أو الحكومة أيَّا كان نوعها فإنَّها أخص في حقيقتها ومقاصدها وأهدافها واهتماماتها من الدعوة، ويمكن للدولة أن تتبنَّى قيم دعوةٍ وأهدافًا منبثقة عنها دون أن تمزج بين الاثنين أو ترفع الفروق بين الجانبين، فذلك أمر يضر بالدعوة ويضيق ميادينها ولا يقدم للدولة الكثير وحينما يمزج بين الأمرين فلن يمضى زمن طويل حتى يجد رجال الدعوة أنفسهم في حالة حرب أو عداء أو مواجهة مع رجال الدولة، فالدولة بمثابة جهاز استهلاكي ضخم ودولاب يحتاج إلى أن لا يتوقف عن الدوران أو النشاط ولو للحظة، ويغلب أن تجد الدولة نفسها شاءت أم أبت في حاجة إلى تجاوز بعض مَا لا تستطيع الدعوة أن تتساهل فيه أو تتهاون، وهنا يحدث التصادم الحتمي بين الدولة والدعوة.

 وحين ننظر في تاريخنا نظرةً فاحصةً بدءًا من الفتنة الكبرى واستشهاد ذي النورين، ثم اغتيال على بن أبي طالب، ثم انتشار الفرق، وحروب الصحا

المزيد