أعرف عبدا من عباد الله يولد الليلة للمرة الثانية والعشرين : لا يخالف نواميس البشر ؛ فيعترض على سرعة العد وبطء النوال : لكن نواميس البشر تخالف ناموسه الشخصي ؛ فتغرس في وعائه من الطفولة نقاءها ، ومن الشباب حماسته وشغفه بحياة غير ودودة ، ومن الشيخوخة همها واحتمالها … هكذا يعرف عن نفسه (كما أخبرني) .
*
أعرف عبدا من عباد الله ينهي صفحة من صفحات عمره كاتبا ؛ فتردها له الذكرى قارئا ، ويختم حلقة من حلقات حياته منتجا ومؤديا ومخرجا ؛ فيكررهها له الأثير مشاهدا وناقدا .
*
أعرف عبدا من عباد الله تعلم في الحياة في بضعة شهور ما لم يتعلمه في خمس قرن من الزمان ، فصار احتفاله بالميلاد الجديد ملحمة تليق به وحده ، وبخاصته وحدهم ، وبالقبح والجمال وحدهما ، وبالموت والحياة وحدهما ! ماذا بقي إذن ممن لن يحتفل معه وبه ؟! ربما بقي فقط ألا يفكر في من بقي أو ما بقي !
*
أعرف عبدا من عباد الله علـَّمه القرب جمال الحب ، وعلمه البعد حقيقة الحب ، فصنع في القرب ما سماه "أغلى الأحباب" ، وفقد في البعد "أغلى الأحباب" اسما ، ليكسب الحقيقة ، لم يكن مغفلا حين قرب إليه من اكتشف أنه لا يستحق ؛ فالخير مِن الخيِّرين سبيل ومشاع للقريبين والبعيدين ، لكنه خسر الكثير حين لم ينتبه إلى أمه ، وكسب الكثير حين سألها عبر العنكبوتية ذات يوم : هل في قلبك غضب مني قد يكون حائلا بيني وبين تحقيق ما أريد ؟ فقالت له : رغم أن الكلام معك كان لا يوصل إلى (عقاد نافع) وأنك متفلسف أكثر من الطبيعي ، لكنني أشهد أنك الوحيد الذي لم يَعلُ صوتـُه عليَّ ، وأنك سندي في الحياة ، وأنك "أغلى الأحباب" …
فرق كبير بين أغلى الأحباب هناك وهنا .
*
أعرف عبدا من عباد الله خسر قلبا أعز عليه من روحه ، ليفتح الله له كل القلوب ، ويحبب فيه كل من يقابله ، حتى تلاميذ وتلميذات الصفوف الأولى الذين تدرس لهم المعلمات كانوا يطلبونه بمجرد لقاء واحد معه ، وكأنهم وجدوا فيه شيئا ليس في الآخرين ، وكأنه تعويض الله الأحلى والأطيب والأحن دائما ،
تعلـَّم كل الثنائيات والمتناقضات التي يفرضها الواقع ، لا الثنائيات التي يلجأ لها البلاغيون ليصنعوا محسنا بديعيا اسمه الطباق أو المقابلة ، فخلف البعد قرب ، وخلف الإغلاق فتح ، وخلف الفقد وجود ، وخلف الموت حياة ، حتى أصبح يتفائل بالمحن لأن التأمل الزماني أو المكاني .. الفطري أو المفتعل : سيتفتق عن منح عظيمة ، حكمة لا تـُعَلـِّمُه إياها الفلسفات ولكن تعلمه إياها الصدمات والوعكات .
*
أعرف عبدا من عباد الله دعا ربه من كل قلبه فلم يستجب الله له ، وانتحر بأقصى ما يستطيع من طرق فعذبه الله بمحاولة الموت لكنه لم يقتله ،،، ظنها في البداية كارثة كونية ، ثم اكتشف أنها فرصة جديدة للحياة ،
قرأتُ في مذكراته دعاء حزينا يفيض بالرجاء ، استجاب الله ما وراءه من حب للخير والحياة ، ولم يحقق مضمونه الحرفي ؛ فكان ما شاء الله أجمل كما هو الأجمل دائما .
"
اللهم إن في قلب عبدك وفي قلب أمتك مضغتين تهفوان إلى إلفهما في غير معصيتك فاجمع بينهما قريبا على طاعتك
اللهم إنه لم يخلق الحب إلا أنت ولم يرزق عباده بالحب إلا أنت فاجعله نعمة لا نقمة واجعله سقيا وريا لا عطشا وظمأ
اللهم أنت تعلم ولا أحد يعلم إلا أنت وأنت تقدر ولا يقدر سواك فافعل بنا ما ينقذنا مما نعاني وما يكون خيرا لآخرتنا ودنيانا
اللهم إن حبنا إياك ق














