وربما لا يختلف أغلب هؤلاء على صفتين أساسيتين من الصفات الواجب توافرها في مرشح الرئاسة ، وهما :
- أن لا يكون المرشح محسوبا على النظام السابق أو محسوبا على المؤسسة العسكرية .
- أن يكون ذا سمعة طيبة و نزيهًا غير ملوَّث بالفساد أو حتى بشبهة الفساد السياسي أو المالى أو الأخلاقي .
و مع ذلك فإن "بعض" المرشحين ممن إتهموا بإحدى هاتين الصفتين أصروا على التقدم للمنصب إعتمادا على تفسيرات وتاويلات مختلفة ، يحاولون من خلالها التملص من أدوارهم في ظل النظام السابق , بل كانوا أصبحوا يتباهون بها ! مع أن من هؤلاء من كان من أركان هذا النظام السابق وأعمدته .
و لكن بالتأكيد فإن الشعب المصري لن يخدع بهذه التبريرات مهما حاول أصحابها خديعته .
بالإضافة , لأن ممثل الأغلبية من القوى السياسية الفاعلة وهو "حزب الحرية و العدالة" لا يمكن أن يتنازل عن هذين الشرطين و إلا تعارض ذلك مع فكرة الحزب , و توجهه و برنامجه فضلا عن تعريض نفسه لزعزعة مصداقيته لدى مؤيديه وممن حظي بثقتهم من أغلبية الشعب .
وأظن أن حزب الحرية و العدالة – وهو الذي أركز عليه في هذه المقالة - يحاول الآن تلمس طريقه في الإختيار, وان كانت خياراته محدودةً جدا , لأنه لو اختار تأييد مرشح للرئاسة ثم فشل في إصابة الأفضل لأصبح في موقف عسير ، وفي مرمي حكم الشعب عليه بسوء التقدير ، فضلا عن إغضاب قواعده الحزبية واستدعاء نكيرهم وانتقادهم .
الأمر الثاني أنه لن يستطع الوقوف موقف المتفرج , والنأي كلياً عن تأييد أي مرشح لأنه حزب الأغلبية , والمفترض أن يكون له موقف سياسي واضح في اختيار أحد المرشحين المحتملين , فمنصب الرئيس يعنيه – بلا ريب - في تنفيذ برنامجه الذي دخل به الانتخابات واختاره الشعب على أساسه ، طالما وجد الاتساق والتفاعل الإيجابي بينهما .
ومن خلال قراءة تصريحات بعض قيادات وكوادر حزب الحرية والعدالة , نستطيع أن نستشف أن الحزب بالإضافة لاشتراطه هذين الشرطين الضروريين في المرشح – يضيفون مواصفات ترجيحية يرونى أنها يمكن أن تشكل عوامل نجاح للعملية السياسية والعلاقة بين الحزب - وربما حكومة الحزب- مع مؤسسة الرئاسة في المرحلة القادمة.
والواقع أن هذه الصفات التفضيلية الإضافية قد يختلف عليها قيادات الحزب, و منظروه ، فضلا عن أعضائه وقواعده وجمعيته العمومية التي تضم منتمين لجماعة الإخوان المسلمين وغير منتمين إليها .
هذا الإختلاف يقع إما في إدراج صفات معينة , أوفي تصنيف درجة أهميتها وأولويتها .
ووفقا لما صدر من تصريحات قيادات الحزب ، نستطيع أن نستشف بعض هذه الصفات التفضيلية والتى تشمل
- إتجاه المرشح بحيث لا يصطدم - وإن لم يتطابق- مع توجهات الحزب .
- وتاريخه السياسي ، ومواقفه السابقه .
- إضافة إلى صفاته الشخصية ، وهل هو أقرب إلى"المدير" أم إلى "القائد".
ولا شك أن هناك فرقا كبيرا بين الإدارة و القيادة ، وهذا أمر معروف ومفصل في العديد من الكتابات المتخصصة ، ومن أفضلها إصدارات الدكتور طارق سويدان من حيث تخصصه وبروزه في هذا الميدان , و قد ذكر "سويدان " أركان "القيادة " الثلاثة وصفاتها الخمس الأساسية ، مع تركيزالقيادة على الرؤية والتوجهات الاستراتيجية ، وإحالة التفاصيل للمديرين .
أما "الإدارة" فهي تركز على الإنجاز والأداء في الوقت الحاضر , ومن هنا ينصب اهتمامها على المعايير وحل المشكلات وإتقان الأداء ، والاهتمام باللوائح والنظم والنتائج الآنية .
الرئيس المدير
تحمس لهذا الطرح العديد من كوادر حزب "الحرية و العدالة ", و منهم الصديق الحبيب والعقلية الإدارية المميزة الدكتور "ياسر على " الذي قام بنشر طرحه على موقع الحزب لشرق القاهرة , و كرر لفظ "المدير و الإدارة" تحديدا عدة مرات.
ومبررات ذلك الطرح عديدة ، من أهمها : رؤية الحزب أنه من الأفضل أن يكون دور الرئيس مقتصرا على إدارة العمل وليس إتخاذ القرارات الإستراتيجية التي يُفترض أن المعنى بها هى القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة من خلال المؤسسات المنتخبة.
و يتسق ذلك مع الطرح الأصلي للحزب وهو "الجمهورية البرلمانية" والتي إضطر لتغيره تحت ضغط ظروف معروفة ومبررات منطقية إلى قبول طرح "النظام المختلط" الشبيه بالنظام الفرنسي.
وشخصية الرئيس المدير تعود فعليا إلى خيار حزب الحرية والعدالة الأول وهو" الجمهورية البرلمانية" و إن كان تحت مسمى النظام المختلط .
أضف إلى ذلك أن الدستور الجارى إعداده، متوقع أن يؤسس لنظام من الحكم يجعل العبء الأكبر من المسئولية يقع على الحكومة التى سيشكلها حزب الأغلبية وربما تقتصر مسؤلية الرئيس المباشرة على الخارجية و الدفاع ، و بناءً على ذلك فإنه لن يكون مطلوبا من الرئيس المرتقب الدخول فى أى مواجهات سياسية مع أى جهة كانت.
و يدعم هذا التوجه إدراك الحزب أن التحدي الأكبر للحكومة القادمة هو الإقتصاد والنهضة و يريد لذلك مناخا بعيدا عن التجاذبات السياسية داخل السلطة التنفيذية بين الحكومة التي سيشكلها وبين مؤسسة الرئاسة ولذلك كان من الشروط التي وضعها الصديق الدكتور "ياسر " ألا يكون متصادما (في رؤيته أو برنامجه) مع تيار الأغلبية البرلمانية ، و من هنا أيضا تم التركيز في المقال المشار إليه على أهمية المهارات الإدارية وليس على الفكر أو الرؤية.
والواقع أن المدير لا يُشترط له أصلا وجود الرؤية ، فهو سيكون رئيسا يشرف ولا يخطط وبذلك تنعدم تقريبا إحتماليات الصدام مع الحزب الحاصل بالفعل على أغلبية مريحة بالبرلمان.
وأظن أن هناك عاملا آخر من الأهمية بمكان وهو الخشية من الإتيان بدكتاتور أو فرعون جديد إذا تم السماح للرئيس القادم بلعب دور كبير في الحياة السياسية أو إذا سُمح له حتى فقط بالتواصل الجماهيري المؤثر على الشعب.
و يعزز ذلك ما يظنه البعض في المجتمع المصري من القابلية إلى" إنتاج الفراعنة" و يعززه أيضا الحوادث التاريخية التي مرت بمصر، وخاصة ما حدث من إنقلاب على الديمقراطية عام 1954م والتي عانت من آثاره الدامية الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها حزب الحرية والعدالة ، فقيادة هذه الحركة الإسلامية هم قدوات وأساتذة معظم كوادر هذا الحزب وهذا التاريخ الدامي و الأليم عاشوا معه و رأوا ضحاياه بأعينهم في محاضنهم التربوية فلا غرو أن يشكل هذا التاريخ عاملا مؤثرا في قرار الحزب.
من العوامل التى تدعم طرح فكرة الرئيس المدير أيضا : ترحيب القوى الفاعلة الأخرى على الساحة ، والواقع إننا نلمس ترحيبا لهذا الطرح من القوى المنظمة بصفة خاصة سواءً الأحزاب أو القوى المنظمة الأخرى التي تريد التأثير على العملية السياسية لمصالحها - لأنه إذا توافقت هذه القوى المنظمة الفاعلة قبل الإنتخابات على إسم معين فإن ذلك عمليا سيزيل عنصرا هاما من "معادلة صراع الإرادات" و بذلك يبقى مجهود تلك القوى موجها للتعامل مع العناصر الأخرى القائمة بالفعل على أرض الواقع دون الحاجة للدخول في حسابات جديدة أومخاطر إضافية قد تأتي من عنصرجديد قوي يمكن أن يقلب الموازيين أو يغير المعادلة إلى نتيجة يصعب توقعها مما قد يفجر العملية السياسية برمتها في هذا الوقت الحرج من تاريخ مصر.
الرئيس القائد
على الجانب الآخر هناك كثيرون يرون أن شخصية المدير في ظل التجاذبات والإستقطابات القائمة , ستؤدي إلى كارثة حقيقية وفشل ذريع .
فالقوى السياسية وإن توافقت على شخصية صباح يوم ففي المساء - ولا أقول في الغد - سيظهر على السطح تضارب الرؤى وإختلاف البرامج وتنازع الإتجاهات وتجاذب الأوزان النسبية وسيصاب الرئيس المدير بشلل تام لوجوده في مواقف عديدة تحتاج إلى الحزم و تحمل المسؤلية وإتخاذ القرار بناءً على رؤية إستراتيجية محددة مسبقا و بناءً على إحساس متواصل بنبض الشعب وقدرٍ كافٍ من الإستقلال في إتخاذ القرار وتحمل نتائجه ، وهذا لا يتوفر إلا في الرئيس القائد إذا توفرت له الرؤية الواضحة التى هي أهم خصائص القيادة كما أسلفنا .
فهذا الطرح يرى أن مصر تحتاج قائدا ذا رؤية واضحة ومميزة تستطيع أن تُنشئ عقدا إجتماعيا جديدا يؤسس للجمهورية الثانية التي يتمناها الشعب لمصر الحديثة .
رؤية يعرضها على الشعب الذي ينتخبه من أجلها ويحق له بذلك الإنتخاب توجيه الدفة البلاد إليها وإلى نبض الشارع عند تنازع القوى المتجاذبة وعند التحاكم بين السلطات.
قبل ذلك كله يرى طرح "الرئيس القائد" أن ما تحتاجه مصر الآن هو قائد يكون جزءً من حركة الثورة وقائدا للتغيير وليس مجرد منفذ له ولا يتأتى ذلك إلا لشخص ذو شخصية ثورية الطبع لا تخشى الصدام مع النظام القديم أو الحكومة العقيمة - التنظيم العصابي أو المافيا - الذي مازال يعمل لصالح هذا النظام الفاسد ويعرف ذلك الناخبون من سابق تاريخه ونضاله وتضحياته .
و للدكتور "راغب السرجاني" رأي معروف يذكر فيه أنه يجب أن يكون الرئيس القادم شجاعًا وجريئًا في الحق لا يخشى القوى الخارجية ولا الفاسدين داخليًّا ؛ فيقف في المشكلات الجسام بقوة ، ويقيم الحق فيها دون مجاملات أو قبول للضغوط ، وكذلك يقف أمام أعداء الخارج وضغوطهم فلا يرضخ لإسرائيل أو الولايات المتحدة أو غيرهما في أى مطالب أو مصالح على حساب كرامة ومصالح الشعب والوطن ويكون في الوقت ذاته رحيمًا بالشعب وأوجاعه وآلامه ، ولا يقسو عليه لا بالضرائب ولا بغيرها ، ومتواضعًا يرى نفسه واحدًا منه بلا كبر أو استعلاء .
و يرى "السرجاني" أن الرئيس القادم لا بد أن أن تكون له "كاريزما"؛ ليكون مؤثرًا وقادرًا على جمع الجماهير وإقناعهم ، حتى لا تشعر الجماهير بالانقطاع عنه ، أو أنه غير قادر على قيادة سفينة الوطن .
ويتفق الكثيرون من الخبراء مع الدكتور السرجاني في أن التواصل الجماهيري أمر في غاية الأهمية للرئيس و ربما يكون ذلك التواصل أكثر إلحاحا وأهمية في الحالة الثورية التي تعيشها مصر ليس فقط من ضرورة التواصل مع إئتلافات الشباب الثائر على تعددها وإختلافها ؛ بل أيضا مع طوائف الشعب المختلفة التي تمر بفترة أزمات يحتاج فيها الشعب للثقة والإقتناع بقائده والإلتحام معه للصمود في مواجهة هذه الأزمات.
هذا التواصل الحي الفاعل يتطلب مواصفات في جانبين :
التكوين الجسماني من الهيئة و الصوت و الصفات الجسمية الأخرى .
بالإضافة إلى تكوينه العقلي و الفكري والشعوري لضمان القدرة على مخاطبة الجماهير والتأثير فى الناس والتواصل الفاعل معهم ، وفي سورة البقرة ملمح لهذين الجانبين في تعليل قيادة طالوت " و زاده بسطة في العلم و الجسم".
يضاف إلي ذلك ما