بعد زمنٍ رزحت فيه شعوبٌ تحت مرارة الظلم والطغيان، فاقدةً حقها في العيش الكريم بما في ذلك من سلبِ حريتِها عن كثير من الممارسات الدعوية والفرائض الشرعية والحقوق الدنيوية حتى قاست سياط الجلاد وأغلال المستبد.
وحين تعلو في الأفق بين حينٍ وآخر أصواتٌ تريد أن تنقل الناس لتطبيق الشرع جملةً وفي يومٍ واحد، استناداً إلى نصوص شرعيةٍ فُهِم لفظها لا روحها، وظاهرها لا جوهرها، دون مراعاةٍ للفرق بين أصل الحكم الشرعي ووسائل تطبيقه، مقبلةً على طرفٍ من النصوص، وموليةً ظهرها لنصوص أخرى تؤصل لفقه المرحلية والتدرج، وتضع الضوابط والمعايير لمنهجية إعادة البناء.
هنا يلوح لنا عدد من الأصوات المتزنة، والأطروحات الواقعية.. من أبرزها صوت د. عبدالمنعم أبوالفتوح.. هذا الرجل ذو الخطاب الإسلامي المعتدل الرشيد الذي يتجلى فيه الفهم (المقاصدي) للدين، والذي يمكنه من خلاله التعامل مع دهاليز السياسة دون أن يُنحَّى شرع الله جانباً، ودون أن يُفهَمَ فهماً (طالبانياً).
ولئن كان هذا ظاهراً جلياً منذ زمنٍ في خطاب أبوالفتوح ومستفيضاً في كتاباته، بل ومسطراً في برنامجه الانتخابي؛ فقد تجلت هذه النبرة المقاصدية بوضوحٍ كذلك في المناظرة الرئاسية التي خاض غمارها قبل أيام مع السيد عمرو موسى.. نبرةٌ ظهرتْ منذ الدقائق الأولى في خطابه حين أعلنها بصراحةٍ قائلاً: (إنَّ الدولة التي أحلم بها دولة ديمقراطية مستقلة، تعلي قيم الشريعة الإسلامية ومبادئها بمقاصد الشريعة الإسلامية)، فإعلاء مبادئ الشرع لا يعني حسب فهم د. عبدالمنعم اجتزاء النصوص من سياقاتها بتغافلٍ عن ميكانيكية تطبيقها، وبإعراضٍ عن مقاصدها التي شُرعت من أجلها.
وفي سؤالٍ وُجِّه له عن طبيعة علاقة الدين مع الدولة تجلى أبوالفتوح في إجابةٍ بديعةٍ حين نفى وجود ثنائيةِ تضادٍ بينهما، وهو ما عبر عنه بقوله: (لا توجد ثنائية تعارض بين الدين والمواطنة، ولا بين الدين والدستور، ولا بين الدين والدولة.. طبيعةُ الإسلام العظيم والشريعة الإسلامية بمبادئها وبمفهومها المقاصدي أنها تبحث عن مصلحة الناس، والقاعدة الأصولية تقول: أينما تكون المصلحة فثمَّ شرع الله، فحينما نبحث عن مصلحة الناس في التعليم وفي الصحة وفي الصناعة وفي الزراعة وفي المشرب وفي المأكل.. كل هذا يتفق مع الشريعة الإسلامية العظيمة ومفهومها المقاصدي).. ثم يتم قائلاً: (أشاهدُ قصفاً إعلامياً من بعض الأطراف لمحاولة الإساءة للشريعة الإسلامية أو تجريحها، يصور أن الشريعة الإسلامية تصادر حقه في التعبير أو حقه في الحرية الفردية، أو في المأكل أو في المشرب.. لم تحافظ شريعةٌ على حقوق البشر أياً كانت عقائدهم مثل الشريعة الإسلامية، كما يقول أحد أئمة الشريعة: الشريعة رحمة كلها، والشريعة خير كلها، والشريعة عدل كلها)، ويا له من فهمٍ راق













