يمارس كثيرون من السياسيين والحزبيين قدرا هائلا من التضليل باللجوء إلى مصطلح "الالتزام الحزبي" كلما عبّر شخص ينتمي لكيان معين، أيديولوجي أو سياسي، عن موقف يتسق مع طريقة تفكيره ومع ضميره، وقد يكون فيه مخالفة لقرار أو موقف يتخذه الكيان الذي ينتمي إليه.
فالحجة التي يلقيها هؤلاء في وجهك هي مصطلح "الالتزام الحزبي"، الذي يقابل مصطلح "السمع والطاعة" الذي تلهب بعض التنظيمات الدينية ظهور أعضائها به في مواقف لا علاقة لها بمفهوم السمع والطاعة. ويقول هؤلاء إنه لا يصح لك ما دمت ارتضيت الانتماء لهذا الكيان أو الحزب أن تتخذ موقفا، مهما كان ثانويا وتفصيليا، يخالف الكيان الذي تنتمي إليه، وهي رؤية غاية في الخطورة، لأنها تسحق شخصية أعضاء هذا الكيان، وتقضي على أي رؤية ذاتية أو إبداعية في تكوينهم، كما أنها تجعل من هذا الكيان وثنا ورقيبا يحصي على أفراده حركاتهم وسكناتهم وأنفاسهم، بحيث لا يخرج أي فرد عن "الصراط المستقيم" الذي سنّه هذا الكيان.
بالطبع سيقول البعض إن انتماء أي شخص لكيان سياسي يعني التسليم بما يتخذه هذا الكيان من مواقف ورؤى وسياسات، وإذا لم يعجبه هذا الأمر "فالباب يفوت جمل"، وهذه إقصائية مقيتة؛ فانتمائي لكيان معين لا يعني أن يملي علي هذا الكيان كل تفاصيل حياتي، ويحدد اختياراتي في جميع القضايا، وإنما يعني أنني أتفق مع هذا الكيان في المبادئ والأهداف والتوجهات العامة. وهذا الانتماء يترك لي مساحة من الحرية أتحرك فيها بما يتفق مع ضميري الوطني وطريقة تكويني الفكري. فالأحزاب والجماعات السياسية ليست أديانا، ووسائلها واختياراتها ليست وحيا من السماء.
يقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي إن الأحزاب في السياسة كالمذاهب في الفقه، ويقول العلماء إن محمد بن الحسن وأبا يوسف، أشهر تلاميذ الإمام الأعظم أبي حنيفة، خالفا إمامهما في نحو ثلث المذهب، ولم يخرجهما هذا من المذهب الحنفي. فإذا كنا نتسامح مع الآراء المختلفة في الفقه ومسائل الحلال والحرام التي يصح بها ديننا، فكيف لا تتسامح الأحزاب والتجمعات السياسية التي هي من شؤون الدنيا مع الاختلاف حتى في اختيار مرشح دون آخر.
ولأضرب مثالا على ذلك، قد يرى حزب معين أن يدعم مرشحا ما في الانتخابات، في حين يرى بعض أعضاء هذا الحزب أن هذا المرشح ليس بالكفاءة المطلوبة للموقع المرشح له، فمن حقهم، بل من واجبهم أمام الله وأمام ضميرهم الوطني، أن يختاروا عندئذ من يرونه أهلا وأكثر كفاءة للمنصب، وليس في ذلك أي تعارض مع انتمائهم لهذا الحزب.
وكل ما قلته هنا في الحقيقة هو تمهيد لهذا المثال الذي يوضح كيف تتسامح الأحزاب السياسية في الديمقراطيات المستقرة مع ممثليها في البرلمان، وليس مع أعضائها فقط، عندما يتخذون مواقف ربما حتى تختلف مع أيديولوجية الحزب. والمثال الذي أضربه هنا هو من الكونجرس الأمريكي، الذي ظللت أتابعه طوال سنوات بحكم عملي.
هنا رسمان بيانيان، أوردهما تحليل أجراه موقع متخصص في رصد الكونجرس الأمريكي، ويحلل الرسمان مشروعات القوانين التي دعمها الأعضاء في كل من مجلس الشيوخ الأمريكي (الغرفة الأعلى في الكونجرس الأمريكي مثل مجلس الشورى في مصر)، ومجلس النواب (الغرفة الأدنى في الكونجرس الأمريكي مثل مجلس الشعب في مصر). واللون الأحمر يشير لأعضاء الحزب الجمهوري (يمين) واللون الأزرق يشير لأعضاء الحزب الديمقراطي (يسار)، أما اللون الأسود، وهم قلة، فيشير للأعضاء المستقلين، وهما في مجلس الشيوخ اثنان فقط، بيرني ساندرز وجوزيف ليبرمان.
http://www.govtrack.us/congress/spectrum.xpd
في الرسم البياني الوارد في هذا الرابط نرى أسماء أعضاء الحزب الجمهوري تتوزع بلون أحمر من اليمين إلى اليسار وتتداخل أحيانا مع اللون الأزرق، ونرى كذلك أعضاء الحزب الديمقراطي باللون الأزرق تتوزع من اليسار إلى اليمين، وتتداخل أيضا مع الأحمر. فما معنى هذا؟














