لاشك أن الثقافة السياسية والفكرية السائدة على جانبى خط الحوار الداخلى فى مصر، ونعنى به الخط الفاصل بين مسلمى مصر ومسيحييها، هذه الثقافة تحولت خلال السنوات العشرين الأخيرة إلى ثقافة تشدد دينى، يصاحبها استقطاب غير ودى، وتوجس وسوء ظن بنوايا الطرف الآخر، وهى «حالة» ترشح المجتمع كله لاشتباكات لا تنتهى، وتُسهل اختراقه بعد أن ضعفت نسبيا مناعته وقدرته على المقاومة، وبعد أن اشتغل جانب كبير من أبنائه بالمزايدة فى مطالبهم وشروطهم للاستمرار الهادئ فى التعايش الودى مع الطرف الآخر، وبذلك تهدد تاريخا طويلا من التعايش الذى استطاع ـ خلال مئات من السنين ـ أن يتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ، وأن يتحول إلى ترابط وولاء مشترك فى ظل ممارسة حقيقية للمواطنة، حتى قبل أن تظهر هذه الكلمة على سطح الحوار الدائر، وقبل أن تجد طريقها إلى نصوص الدستور والقوانين.
هذا كله أصبح مهددا بالتراجع والانحلال التدريجى، وهو ما يمثل كارثة كبرى لمصر، كما يمثل تهديدا خطيرا لمستقبلها واستقلالها وسيادتها.. لذلك فإن الإصلاح الثقافى على جانبى النزاع قد صار المدخل الأساسى الذى لا يحتمل التردد أو تأجيل التنفيذ.
وفى تقديرنا أن الإصلاح الثقافى المنشود يقوم على أعمدة ثلاثة ينبغى الوعى بأهميتها، والعمل المتصل على غرسها، والترويج لها من خلال أجهزة ومؤسسات أربع من مؤسسات الدولة، وهى مؤسسات التعليم، والإعلام، والثقافة، والدعوة الدينية.. وشرط نجاح ذلك كله أن تقوم وراءه نية صادقة فى الإصلاح وتغيير السياق المجتمعى الذى تجرى تحت مظلته جهود ذلك الإصلاح.
ونجترئ فى هذه المرحلة من الحديث بالإشارة إلى أهمية دور الخطاب الدينى القائم على فهم صحيح للمفاهيم الأساسية الكبرى التى يتبناها ويروج لها هذا الخطاب، وفى مقدمتها من وجهة نظر إسلامية، تواكبها وتسير معها جنبا إلى جنب وجهة نظر مسيحية.. المفاهيم الآتية:
أولا: أن الإسلام الذى تتدين به الأغلبية العظمى من المصريين، يضع المسيحيين ــ وهم أهل كتاب، يقدره، بل يكاد يقدسه المسلمون ــ فى منزلة خاصة يحملون لها الاحترام الكبير، ويسعون للاقتراب منها والتعاون مع أبنائها.. ولا ندرى كيف يغفل مسلم واحد أو مسيحى واحد عن آية قرآنية تقول فى المسيحيين: «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون» (سورة المائدة آية 82).
أما الإقرار بالفضل والثناء على أهل الكتاب من النصارى واليهود، والدعوة إلى التعاون معهم على البر والعدل والتناصر المتبادل، فقد أقرته ونبهت إليه آيات عديدة من القرآن الكريم: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، وهذه الأوصاف الثلاثة التى ذكرتها الآية.. الأجر عند الله، والأمن من الخوف، والخلاص من الحزن، هى نفس الأوصاف التى أطلقتها آية أخرى على «أولياء الله» وأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (سورة يونس آية 62).. وعادت آية أخرى فأكدت نو














