شبهة تثار للأسف في هذه الآونة، من بعض إخوة أفاضل، دخلوا مؤخرا في العمل السياسي، وهنا مكمن الخطأ الذي يقع فيه بعضهم، فهو يدخل العمل السياسي بعقلية الواعظ، وينسى أن العمل السياسي يحتاج في البحث العلمي إلى عقلية الفقيه والمفكر، وأن يبتعد الباحث في مثل هذه القضايا عن العاطفة، بل يحكم النصوص، والعلم القائم على المنهج.وأود بداية أن نضع أصولا نحتكم إليها في قضيتنا هذه، وكل القضايا السياسية التي يكون فيها مشاركة بين المسلم وغير المسلم في بناء الدولة، وبقية قضايا المجتمع المسلم وهي:
· أولا: تحكيم نصوص الشريعة الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة: فما جاء في هذه الأصول فالعمل به واجب، وما وافقها فالعمل به صحيح، وما خالفها مما ليس منها فهو على أصحابه رد، والعمل به اجتهاد بشري، لصاحبه - إن كان مجتهدا، أو مؤهلا للاجتهاد – أجره، وعليه – إن لم يكن كذلك – إثمه ووزره.
· ثانيا: قبول ما تقتضيه المشاركة في الدار، أو الوطن بتعبيرنا العصري، فكل ما حقق مصالح المشتركين معا فيه جاز، وكل ما أهدرها فهو بالإهدار أولى وأحق.وقد قَعَّد هذه القاعدة الأصوليون والفقهاء حين قرروا: أن الشريعة مبنية عموما على جلب المصالح، ودرء المفاسد، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده به فهو باطل . ولا يبعد من يقول: إن هذه القواعد محل اتفاق الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وتنوع منازعهم في الاجتهاد والفتيا والاستنباط.
· ثالثا: إعمال روح الأخوة الإنسانية بدلا من إهمالها، فكل قول، أو رأي، أو فعل، نافى روح الأخوة، فقد غفل صاحبه عن أصل من أصول الإسلام عظيم، نطق به القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، وصدر عنه في أقوالهم وأفعالهم أصحاب رسل الله صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالحون، وتبعهم في كل عصر دعاة الإسلام الهادون المهديون، بل وعاش في ظله رعايا دولة الإسلام منذ كانت وإلى يوم الناس هذا: في مدنهم وقراهم، وأفراحهم وأحزانهم، وبيعهم وشرائهم، وأعيادهم ومواسمهم، حتى إنه لولا الاستمساك المحمود للمسلمين وغير المسلمين بشعائر دينهم الظاهرة، ما عرف منهم مسلم إسلامه ولا كتابي بكتابه.
· رابعا: الإسلام دين القسط والعدل والحق، فكل رأي نافى القسط الذي أمر به القرآن، أو العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، أو الحق الذي به يحتمي الناس، فهو مردود ومناف لروح الإسلام ، ورحم الله ابن القيم حين قال: (الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحمته الدالة عليه، وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهُداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل).
· خامسا: ما ورد في اجتهادات السابقين من أئمتنا رضوان الله عليهم، وأساتذتنا، مما لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة، وكان اجتهادا نابعا من ر
المزيد