لا أشعر برغبة الحقيقة في الدخول في ساحة التنافس الانتخابي والدعاية لهذا الطرف أو ذاك، مع أني بالطبع لي خياري الشخصي كما يعرف من هو قريب مني. ولم أتشرف بالتواجد في حملة دأبوالفتوح أو غيره، ربما لقناعة عندي أن مصر تحتاج في هذه المرحلة لمجاميع من المهنيين المتخصصين في مجال السياسة والاستراتيجية بعيدين عن الاستقطابات الحزبية.. خصوصا ونحن في دولة كم عانت وتعاني وستعاني للأسف من اختلال العلاقة بين ماهو مهني وماهو سياسي وبالأخص في مجال الاستراتيجية والأمن القومي.
وكذلك لأن هناك استحقاقات سياسية وثورية أراها أهم من السياق الانتخابي الرئاسي وبالأخص الدستور وضبط موازين القوى بين الإرادة الشعبية وإرادة العسكر والنظام القديم في المؤسسات والمناخ السياسي العام وقيم الحرية والكرامة.
المهمّ .. أنه إن رأى البعض في اتهام أبي الفتوح -وغيره ممن كان في تنظيم جماعة الإخوان وتركه - بنقض العهد مع الله نوعا من سوء الخلق والتجريح والتنافس الانتخابي غير اللائق، فإني أتعامل - فوق هذا - مع هذا الطرح وغيره من عبارات (الدعوة تنفي خبثها ، المرشح الإسلامي الوحيد، الجماعة الربانية، الله يتخير للجماعة قياداتها..) كمتلازمة وهن معرفي وأصولي وتربوي تسود في قطاعات الحركة الإسلامية منذ دهر..وتنتج إجمالا عن رقة الوعي الأصولي والتأسيس التربوي الذي يميّز بين الفكرة المطلقة وتجلياتها في الأدبيات الشرعية والوعي والذوق والسلوك وبين المقاربة البشرية لها في الفهم والتنزيل.. أي الخلط بين الدين والدعوة والتنظيم، وجماعة المسلمين وجماعة من المسلمين.
وهذا يمثل خطرا على المشروع الإسلامي وسلامته ويحمل في جعبته بذور استبداد ديني ودولة شمولية ترى مُعارضيها - وتجربتها - زائغا غن الهدى ورائما غير سبيل الوطنيين!
وتحدثت سابقا عن التكييف الشرعي للبيعة التي يطلقها فرد الإخوان وتبعاتها وآثارها وسبل انقضائها، ولكن أعيد نقل هذا للإفادة.
—
التكييف الشرعي لجماعة الإخوان كما هو حاضر في أدبياتها يدور على وضعين:
- الأول أنها نواة عينية لجماعة المسلمين ولكن لا تأخذ أحكام جماعة المسلمين قبل أن تمكّن، وقد ألمح لهذا الهضيبي في دعاة لاقضاة وتبنى هذا الرأي بشدة الشيخ سعيد حوى وأشار له الشيخ الراشد حين هذّب الغياثي للجويني (وهو رأي بعض فقهاء الشافعية والأحناف إذا انعدمت جماعة المسلمين).
- والوضع الثاني وهو المنتشر في أغلب قطاعات الإخوان في كل الأقطار - وليس الأول - أنها جماعة من المسلمين تقوم على تحقيق فرائض معطلة في الدعوة والتربية والإصلاح السياسي والتحرر والوحدة -انتهى.
وهذا الرأي هو السائد في أدبيات الإخوان وصفوفها وهو بهذا يعتبر إمام هذه الجماعة (إماما خاصا) وليس بمقام الإمام العام، وبيعتها (بيعة خاصة) وليست بمقام البيعة العامة.
ولقد انحاز الشيخ الراشد لهذا الرأي في (أصول الافتاء والاجتهاد التطبيقي في نظريات فقه الدعوة) ورأى أن الجماعة باقية حتى في ظل وجود الإمام المسلم، وهاجم مصطفى الطحان رأي الشيخ سعيد حوى في كتابه الذي قدّمه مصطفى مشهور (الفكر السياسي الإسلامي) وهذا لأنه قد يحمل للخلط بين الإخوان وجماعة المسلمين في التصورات الكلية والأحكام التنظيمية والسلوكية.
فمثلا لو تصور الفرد الإخواني - أو المنتمي لحركة إسلامية فيها بيعة - أن بيعته (عامة) حتى لو اعتقد أنها غير ملزمة لغيره فماذا يكون موقفه إذا قام عقد مواطنة ودولة قطرية صحيح- كحالتي مصر وتونس الآن والبقية على الطريق- وأي دائرتي الولاية تكون أعلى وأولى في حقه إذا تنازع الاختصاص؟!
كذلك .. البيعة (العامة) تلك تسحب أحكام دائرة الإمامة العامة وحدود تدخلها .. فهل يقضي إمام الجماعة في الأموال والأعراض والدماء؟ وهل يعلن الحرب والسلم؟ وماعلاقة كل هذا بعقد المواطنة وقوانين الدولة؟ (وهذا الخلط حصل بالفعل في بعض الجماعات الإسلامية في فترة الثمانينات والتسعينات)
وهل إذا ظهرت جماعة أخرى - وقد ظهرت جماعات - تطرح نفس عقد البيعة العامة (الاجتهادي هذا) يوجب هذا المقاتلة؟
وهل الشرط الذي وضعه الهضيبي لهذا الرأي (أن الخيار الفقهي في عقد البيعة هذا -سواء في تكييفه أو طبيعته -ملزم لصاحبه غير ملزم لغيره ) حاضر في المعرفة والسلوك التربوي فلايُنظر لمن رأى وجه إعذاره في سبيل آخر وفك عقد البيعة هذا أنه ارتكب إثما؟ بل هل كل قطاعات الإخوان في دول العالم تتبنى فكرة البيعة أصلا؟ وهل يشكك الإخوان في إخوانية هذه التنظيمات مع أنها لاتتبنى مسألة البيعة؟
المزيد